قبل انطلاق المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب في الداخل، نستعيد معًا نموذجًا ترسخ في الذاكرة الجمعية للمصريين: “الواد محروس بتاع الوزير”.
تلك الشخصية التي جسدها الفنان عادل إمام ببراعة، فعبّرت عن ظاهرة الوصول إلى البرلمان بلا وعي ولا أدوات، وبلا فهم لطبيعة الدور التشريعي والرقابي، لكنه ظل حاضرًا بفضل النفوذ أو الوعود الفارغة أو الاستعراض الزائف.
ورغم أن “محروس” في الفيلم كان—على الأقل—“يشارك شكليًا” تحت القبة، فإن الواقع شهد نماذج أقل حضورًا وأكثر عجزًا؛ نوابًا لم يمارسوا عملًا واحدًا تحت القبة، ولم يضبطوا متلبسين بتقديم طلب إحاطة واحد لرئيس وحدة محلية، ولم يُسمع لهم صوت، ولم يُرصد لهم موقف أو أداء برلماني يُعتد به.
إعادة إنتاج “محروس” في الحياة السياسية ليست كوميديا، بل خطر حقيقي على الدولة والمجتمع. وهنا تبرز أهمية وعي الناخب، لأن كل صوت يُمنح لمن لا يستحق هو جرح في جسد الوطن، وإضعاف لدور البرلمان، وحرمان للمواطن من تمثيل حقيقي لا تمثيلًا صوريًا.
غدًا تبدأ المرحلة الثانية من الانتخابات، وسط ترقب واسع بأن تأتي خالية من التجاوزات التي شابت المرحلة الأولى. وفي هذه اللحظة لا يمكن تجاهل كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي، حين قال بوضوح قاطع: لا تعطِ صوتك لغير المستحق مقابل “بون” أو مبلغ مالي. كانت الرسالة حاسمة: الاختيار مسؤوليتك، والضمير هو الحكم، والقرار ملكك وحدك.
الهيئة الوطنية للانتخابات وضعت ضوابط صارمة، وفعّلت آليات رقابة قوية لمنع تكرار الأخطاء، لكن نجاح أي عملية انتخابية يبدأ من الناخب قبل أي جهة أخرى. فالصوت الحر هو القوة التي تصنع برلمانًا حقيقيًا، لا نسخة جديدة من “محروس” يصل بطرق ملتوية أو وعود جوفاء.
على الناخب أن يسأل نفسه: لماذا ينفق بعض المرشحين مبالغ هائلة؟ ولماذا يُصرّون على شراء الأصوات؟ وما الذي ينتظرونه في المقابل؟.
من يلجأ إلى المال يدرك تمامًا أنه سيسترد ما دفعه أضعافًا مضاعفة، عبر استغلال الحصانة أو النفوذ أو طرق ملتوية لا تخدم إلا مصالحه الخاصة.
هذه الانتخابات ليست سباقًا انتخابيًا فحسب، بل معركة وعي. لحظة يفصل فيها الشعب بين من يريد خدمة الدولة ومن يريد خدمة نفسه. بين من يحمل مشروعًا ومن يحمل حقيبة أموال. بين نائب يؤدي ونائب يدّعي.
اختر من يمثل وعيك لا قبيلتك.. اختر من يخدم وطنك لا من يملأ الشوارع بلافتات.. اختر صاحب الموقف لا صاحب المال.. اختر النائب الذي يملك صوتًا لا صورة.. أداءً لا ادعاء.. وطنيًا يعرف معنى “الخدمة العامة” قبل أن يفكر في مقعد البرلمان.
غدًا… أنت صاحب القرار.
فلا تهدم وطنك باختيار خاطئ، ولا تبنِ برلمانًا من “محاريس” لا وزن لهم ولا أثر.
اختر بعقلك.. وبصوتك.. وبضميرك.
اختر من يستحق أن ينطق باسمك.
اختر من يشبه مصر… لا من يشبه “محروس بتاع الوزير”!