في أحداث الربيع العربي سقطت دول وبقيت أخرى، وكان الفارق الحاسم بينهما هو وجود المؤسسات الوطنية وقوتها فالدول التي انهارت سريعاً كانت تفتقر إلى مؤسسات راسخة "عسكرية وأمنية وقضائية وبحثية وإعلامية" قادرة على صد المؤامرات ومواجهة الاضطرابات، أما الدول التي قاومت لسنوات قبل أن تسقط، فكانت تمتلك مؤسسات، لكنها ضعيفة وغير مؤثرة، ولم تكن الدولة تعتمد عليها كمرجعية في قراراتها، وفي المقابل، فإن الدول التي صمدت وأسقطت المؤامرة هي تلك التي تمتعت بمؤسسات قوية، انحاز إليها شعبها ووقف خلفها بثقة، ومن هنا تتجلى أهمية مؤسساتنا العلمية التي تعمل في صمت، تلك "القوة الهادئة" التي لا تتحدث عن نفسها، بل يتحدث عنها علمها وإنتاجها، وتخدم الوطن دون سعي لمكاسب أو نفوذ، واضعة العلم وخدمة البلاد فوق كل اعتبار.
مركز بحوث الصحراء الذي يعد أعرق المؤسسات العلمية في مصر والعالم العربي، فهو الذراع البحثية الأهم للدولة في مجالات تنمية الصحاري واستصلاح الأراضي، تأسس عام 1950 تحت اسم معهد فؤاد الأول للصحراء قبل أن يُعاد تنظيمه رسمياً بقرار جمهوري عام 1990 ليصبح مؤسسة متخصصة تتبع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ويقع مقره الرئيسي في قصر الأمير يوسف كمال بحي المطرية بالقاهرة "وهو القصر الذي صور به فيلم رد قلبي" فهو مقر تاريخي يعكس قيمة هذا الصرح العلمي الذي يمثل اليوم مرجعاً أساسياً في كل ما يتعلق بالبيئات الجافة وشبه الجافة التي تشكل نحو 95 في المئة من مساحة مصر.
رسالة المركز تقوم على دراسة واستكشاف الموارد الطبيعية المتاحة في الصحاري من مياه وتربة ونباتات وثروات رعوية وطاقة متجددة، والعمل على وضع خطط التنمية الملائمة لكل منطقة من خلال دراسات علمية دقيقة تتعامل مع طبيعة البيئات القاسية والتحديات المناخية.
يقوم المركز بدور محوري في تطوير تقنيات حصاد الأمطار في المناطق التي تندر فيها الموارد المائية التقليدية، كما يعمل على مكافحة التصحر وزحف الرمال من خلال برامج طويلة الأجل تقوم على الرصد والتحليل والتدخل العلمي المدروس، إلى جانب امتلاكه بنك معلومات متخصص للموارد الطبيعية يعتمد عليه صُناع القرار في التخطيط لمشروعات الاستصلاح الجديدة فهو بحق مركز علمي لا يغمض عينية للحظه ويعمل على مدار الساعة.
ويمتلك المركز هيكلاً بحثياً ضخماً يضم أربع شعب أساسية تشمل مصادر المياه والأراضي، والبيئة، والإنتاج النباتي، والإنتاج الحيواني، وتتفرع عنها 23 قسماً متخصصاً يعمل فيها فريق من العلماء والخبراء في الجيولوجيا والهيدرولوجيا والبيدولوجيا والطاقة المتجددة والمراعي والوراثة والأعلاف وغيرها، وهو ما يجعل المركز منظومة بحثية متكاملة تتعامل مع الصحراء باعتبارها بيئة قابلة للحياة والتنمية وليست مجرد مناطق نائية.
إلى جانب الشعب البحثية يمتلك المركز مركزين للتميز يعدان من الأحدث في المنطقة هما مركز التميز المصري لأبحاث تحلية المياه ومركز التميز المصري للزراعات الملحية، وهما يمثلان اتجاهاً استراتيجياً لمواجهة ندرة المياه، وتعزيز قدرة الدولة على استنباط محاصيل تتحمل الجفاف والملوحة وتناسب الظروف المناخية المتقلبة.
وتنتشر للمركز شبكة واسعة من المحطات البحثية في قلب الصحراء تمتد من مرسى مطروح إلى سيوة وشمال سيناء والوادي الجديد وغيرها، وتعد هذه المحطات مختبرات ميدانية حقيقية تسمح بدراسة الظروف الفعلية على الأرض والعمل مباشرة مع المجتمعات المحلية لتقديم حلول عملية للمزارعين والرعاة وتطبيق نتائج الأبحاث في الحياة اليومية.
نفذ المركز عشرات المشروعات الرائدة كان لها أثر واضح في التنمية، من بينها تطوير تقنيات حصاد الأمطار في الساحل الشمالي وغرب سيناء، وإجراء أبحاث متقدمة في تحلية المياه، وإنتاج الأسمدة الحيوية والعضوية كبديل آمن للأسمدة المعدنية، إلى جانب برامج للحفاظ على التنوع البيولوجي وإنشاء بنك جينات للنباتات الصحراوية.
وفي عام 2021 افتتح المركز معمل تطبيقات النانو تكنولوجي في أمراض النبات، وهو معمل متقدم يعمل على إنتاج مبيدات حيوية آمنة باستخدام تقنيات النانو، وتطوير مركبات فعالة لمكافحة الأمراض النباتية في الأراضي المستصلحة، وإجراء أبحاث تدعم الأمن الغذائي في البيئات الجافة.
كما يحتفظ المركز ببنك متخصص للجينات النباتية الصحراوية يضم أصولاً وراثية نادرة لنباتات تتحمل الجفاف والملوحة ، إضافة إلى بنك إقليمي للجينات في سيناء لحماية السلالات المحلية من الانقراض وتوفير مصادر وراثية قيمة للبحث العلمي.
ويعد مركز بحوث الصحراء حاليا عقلاً بحثياً للدولة وسنداً أساسياً لخطط التنمية، حيث يجمع بين البحث العلمي والتطبيق العملي، ويربط العلم باحتياجات الناس في المناطق الصحراوية، ليبقى نموذجاً لكيف يمكن للمعرفة أن تصنع تنمية حقيقية وتدعم الأمن الغذائي وتفتح آفاقاً جديدة لمستقبل أفضل لمصرنا الغالية.