لا يمكن اعتبار ما جرى في المشهد الانتخابي مجرد خطأ إداري أو تقدير سياسي مضطرب، بل غدا مرآة عاكسة لمشكلة بنيوية تتجاوز العملية الانتخابية نفسها.
إن ما حدث ليس حادثًا عابرًا يمكن احتواؤه بقرارات سريعة أو اعتذارات خجولة - بل هو جرس إنذار صريح يُعلن أن المسار السياسي في مصر يحتاج إلى إعادة بناء من الأساس — بمنطق جديد وقواعد جديدة وشجاعة، تعترف بما يجب الاعتراف به قبل أن تطلب من الناس أن تعود للثقة من جديد.
فالانتخابات ليست مجرد صناديق وبطاقات وفرز وإعلان نتائج. الانتخابات هي حالة مجتمع قبل أن تكون إجراء دولة.. هي ميزان يقيس حجم الحرية ومقدار التنوع ومدى قدرة الناس على الكلام والاختيار والمحاسبة. ولهذا فإن إصلاح النظام الانتخابي - مهما كان مهمًّا - لا يمكن أن ينجح في فراغ سياسي خانق، ولا يمكن لقانون جديد أن يُثمِر في تربة لم تُهَيَّأ لاستقبال بذور المشاركة.
فلن تنجح أي انتخابات — مهما كان شكلها أو قانونها — في ظل حياة سياسية مُغلقة، ومشهد إعلامي أحادي الصوت، ومواطن يشعر أن كلمة قد تغيّر مصيره، وأن رأيًا قد يجره إلى اشتباه أو مساءلة.
حرية الرأي والتعبير ليست بندًا تجميليًا في وثيقة الدولة، بل هي شرط تأسيسي لبناء ثقة سياسية واجتماعية حقيقية.
إذ كيف يمكن للمواطن أن يحتشد إلى صناديق الاقتراع وهو محروم من الأساس من المساحة التي يصوغ فيها رأيه؟ كيف نطالبه بأن يختار بينما لا يستطيع أن يعترض؟ كيف نطلب منه أن يشارك، بينما لا نسمح له بأن يناقش؟
إن أي دعوة للحياة السياسية لن تكتمل في ظل سقف منخفض للكلمة، ومساحات رأي محصورة، ومشهد عام لا يطمئن المواطن إلى أن صوته مضمون، وأن اختلافه مشروع.
كما لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي لعبه الإعلام في السنوات الماضية في صناعة المناخ العام الذي أدى إلى ما وصلنا إليه.
فحين تتحوّل القنوات إلى منابر لخطاب واحد، وحين تُقصى الأصوات المخالفة، وحين تصبح “وجهة النظر الأخرى” عملة نادرة، فإن المواطن يفقد حسَّه بالمشاركة، ويشعر بأن الحوار العام محجوز لفئة بعينها لا يشاركها ولا يفهمها ولا تمثّله.
الإعلام ليس رفاهية سياسية ولا أداة تعبئة فقط.. الإعلام — بمعناه الحقيقي — هو مسرح الوعي العام. دولة تريد لحياتها السياسية أن تتجدد، لا يمكنها أن تبني ذلك بإعلام يشيّد جدارًا سميكًا بين المواطن والحقيقة.
إن تعدد الأصوات لا يُضعف الدولة.. بل يقوّيها - والاختلاف لا يهدد الاستقرار.. بل يحميه. والصحافة الحرة ليست خصمًا لأي نظام يريد البقاء.. بل هي ضمانته الأولى ضد الأخطاء قبل أن تتحوّل إلى أزمات.
وفي قلب المشهد السياسي الحالي، يقف ملف لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه وهو: المحبوسون في قضايا الرأي.
إذ لا يمكن لدولة تعلن رغبتها في فتح صفحة سياسية جديدة أن تُبقي خلف القضبان أشخاصًا لم يرفعوا إلا صوتهم، ولم يمارسوا إلا الكلمة.
إن إنهاء هذا الملف ليس استجابة لضغط، ولا تنازلًا أمام مطالب، بل هو منطق دولة تريد أن تستعيد ثقة المواطن. هو رسالة تقول إن الاختلاف ليس جريمة، وإن التعبير ليس تهديدًا، وإن المجتمع قادر على احتواء النقد دون أن يرتجف.
هذه الخطوة، في توقيتها الحالي، ليست سياسية فقط، بل وطنية بامتياز، لأنها تعيد الطمأنينة العامة وتفتح بابًا جديدًا بين الدولة وشعبها.
وأخيرًا، فالحديث عن قانون انتخابي جديد.. يجمع بين القائمة النسبية والفردي هو خطوة مهمة، لأنه يعيد التوازن بين التمثيل الحزبي والتمثيل المجتمعي. لكنه سيظل خطوة ناقصة إذا لم يُبنَ على بيئة سياسية حقيقية تتكافأ فيها الفرص، وتُصان فيها الحرية، ويكون فيها تنوّع الأحزاب أكثر من مجرد أسماء على الورق.
فالقانون وحده لا يخلق مناخًا سياسيًا.. والانتخابات لا تُصبح حقيقية إلا حين يشعر المواطن أن صوته لا يُصنع نيابةً عنه، وأن المنافسة مفتوحة، وأن النتائج ليست محسومة مسبقًا.
ما تحتاجه مصر ليس فقط قانونًا جديدًا، بل لحظة تأسيس سياسي جديدة تعترف بأن الماضي أثبت فشله في بعض جوانبه، وأن المستقبل يحتاج إلى أدوات أكثر انفتاحًا ومرونة وشفافية.
مصر أمام مفترق طرق.. لا يحتمل التأجيل
فإما أن نواصل إدارة الحياة السياسية بالطريقة نفسها، فنصل إلى النتيجة نفسها، وربما أسوأ.
وإما أن نغتنم هذه اللحظة لنكتب نقطة من أول السطر، ونبدأ مسارًا جديدًا يليق بدولة بحجم مصر وتاريخها وتطلعات شعبها.
إن إصلاح المسار الانتخابي هو البداية فقط.
وتظل الغاية الحقيقية هي الانتقال إلى مرحلة سياسية أكثر نضجًا، أكثر شفافية، أكثر احترامًا للكلمة والرأي والتنوع.
مرحلة يشعر فيها المصري أن صوته يساوي شيئًا، وأن اختياره يُحترم، وأن مستقبله لا يُرسم له دون مشاركته.
مصر تستحق سياسة جديدة، وقانونًا انتخابيًا معاصرًا، وإعلامًا حرًا، ورأيًا مسموعًا، ومجتمعًا يثق في دولته كما تثق دولته فيه.
والأهم أن لحظة التغيير جاءت الآن..
لا غدًا.
والسؤال الوحيد هو: هل نمتلك الشجاعة لبدء السطر الجديد؟