مصر تعزز قدراتها في تخزين النفط وتتحول لمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة
تعد البنية التحتية لتخزين النفط في مصر أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومة الطاقة الوطنية، إذ تمتلك البلاد شبكة واسعة من المستودعات ومحطات التخزين تمتد من البحر المتوسط حتى البحر الأحمر.
وتشرف الهيئة المصرية العامة للبترول وشركاتها التابعة على هذه المنشآت التي تتراوح طاقتها الإجمالية بين 13 و15 مليون متر مكعب من النفط الخام والمشتقات، وفق بيانات وزارة البترول لعام 2024.
وتبرز عدة مراكز تخزينية كركائز محورية في هذه المنظومة، أبرزها ميناء الحمراء النفطي غرب العلمين الذي وصلت طاقته التخزينية إلى نحو 5.3 مليون برميل بعد التوسعات الأخيرة، إضافة إلى مجمعات السويس والإسكندرية التي تضم أكثر من 120 خزانًا، ومنشآت دهشور والعين السخنة المتخصصة في تخزين الوقود والغاز المسال.
وتعمل مصر على تطوير وتوسيع هذه البنية ضمن رؤيتها للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة، من خلال شراكات إقليمية ودولية مع الإمارات والسعودية واليونان، إلى جانب استثمارات حكومية وخاصة تتجاوز 2.5 مليار دولار في مشروعات التخزين وخطوط النقل.
توسعات ميناء الحمراء.. خطوة نحو مركز إقليمي للطاقة
تسعى مصر إلى تحويل ميناء الحمراء إلى منطقة لوجستية ضخمة لتخزين النفط الخام وتداول المنتجات البترولية على ساحل المتوسط، في إطار مشروع بدأ منذ 2020 لإنشاء منظومة تخزينية عملاقة في مناطق رأس غارب، رأس شقير، رأس بدران وعجرود بالصحراء الشرقية، بطاقة تصل إلى 26.5 مليون برميل عبر 24 خزانًا كبيرًا.
كما تعمل الدولة على تعزيز أنظمة السلامة والمراقبة البيئية عبر تطبيق حلول رقمية حديثة للحد من الفاقد والانبعاثات، ما يسهم في رفع كفاءة الإمداد المحلي وتحسين القدرة على التصدير والاستيراد.
اتفاقيات مصر – الإمارات
في أكتوبر 2025، وقعت مصر والإمارات ثلاث اتفاقيات لتطوير منطقة لوجستية في العلمين الجديدة، وتوسعة ميناء الحمراء ليعمل كمركز تخزين وتداول نفطي إقليمي يربط الخليج بالبحر الأحمر وشرق المتوسط.
وتتضمن الاتفاقيات إنشاء خزانات برية وبحرية جديدة، من بينها خزانان بسعة 630 ألف برميل لكل منهما، إلى جانب مراحل مخصصة للديزل والوقود النفاث. وتهدف هذه التوسعات إلى رفع سعة الميناء إلى 20 مليون برميل من النفط الخام و2.9 مليون برميل من المنتجات البترولية بحلول 2030.
ويُعد هذا التعاون خطوة استراتيجية لتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي لتخزين ونقل الطاقة، ما يفتح أمامها فرصًا اقتصادية كبيرة في خدمات التخزين وإعادة التصدير، ويلائم رؤيتها في الاستفادة من موقعها الجغرافي بين الشرق الأوسط وأوروبا.
التعاون الإقليمي والدولي: شبكة ممتدة تدعم التحول المصري
لا تقتصر الشراكات على الإمارات، بل تشمل السعودية واليونان وقبرص، حيث تسعى هذه الدول لتعزيز الربط الطاقي مع مصر ضمن خطة إقليمية متكاملة.
وتشير بيانات EGPC إلى أن مشروعات تطوير التخزين وخطوط النقل بين 2023 و2025 تجاوزت 2.5 مليار دولار، شملت توسعات في السويس والعلمين ودهشور.
كما تنظر السعودية في توسيع حضورها التخزيني في مصر، خصوصًا عبر الاستفادة من خط أنابيب سوميد المملوك مناصفة بين EGPC وكيانات خليجية. ووقعت مصر مذكرات تفاهم مع شركات عالمية مثل Aramco Trading وTotalEnergies للاستفادة من منشآت التخزين بالموانئ المصرية.
وتدرس العراق أيضًا خيارات لتخزين النفط في مصر، بالتوازي مع مفاوضات لربط خط "البصرة – العقبة" وصولًا إلى القاهرة، بما يمهد لتكرير النفط العراقي في مصر وإعادة تصديره، مستفيدًا من موقع مصر الاستراتيجي وقناة السويس.
التحديات:
على الرغم من المزايا التنافسية الكبيرة، تواجه منظومة التخزين في مصر تحديات تتطلب معالجة متكاملة، أبرزها:
توفير تمويل كاف لتوسعة الخزانات وتحديث الأنظمة التقنية.
رفع كفاءة السلامة والأمان ومعالجة الانبعاثات وفق المعايير العالمية.
تطوير الأطر التنظيمية لجذب استثمارات جديدة.
تعزيز القدرة الاستيعابية لتلبية معايير احتياطي الطوارئ الدولية.
تنسيق الجهود بين وزارة البترول وEGPC والمستثمرين لضمان استدامة التشغيل.
تخزين النفط في مصر… أداة اقتصادية وجيوسياسية
يمثل تطوير قدرات تخزين النفط في مصر ركيزة استراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ يساهم في:
تعزيز أمن الطاقة الوطني والإقليمي.
دعم مكانة مصر كممر محوري بين الشرق الأوسط وأوروبا.
زيادة قدرتها على التعامل مع أزمات الإمداد العالمية.
توسيع شراكاتها مع دول الخليج والاتحاد الأوروبي.
ترسيخ وضعها كمركز إقليمي لتداول النفط والغاز.
وبذلك، لا يشكل مشروع تخزين النفط مجرد خطة استثمارية، بل خطوة متكاملة نحو تعزيز مكانة مصر في خريطة الطاقة العالمية، ورفع كفاءة منظومة الإمداد، وتوفير منصة استراتيجية للتحرك خلال التحولات الجيوسياسية وسوق الطاقة العالمي.