كارزان حميد: إنهاء حرب أوكرانيا ورقة ترامب لـ ترتيب العالم|حوار
تتجه أنظار العالم إلى مدينة جنيف السويسرية مع توافد الوفود من أوكرانيا وروسيا وأمريكا لمناقشة خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإنهاء الحرب بين موسكو وكييف.
ووصل إلى جنيف اليوم وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، ومن المقرر أن يجتمع مسؤولون أوكرانيون وأمريكيون في سويسرا اليوم الأحد، لإجراء محادثات طارئة لمناقشة مسودة الخطة أمريكية.
وتعلقيًا على المباحثات لإنهاء الحرب قال كارزان حميد، الخبير في الشؤون الأوروبية، في حوار مع “إجيبتك”، إن خطة ترامب الجزء الأخير من الخطة الكاملة لأمريكا لإعادة صياغة العالم وإخضاع الحلفاء قبل الأعداء.. وإلى نص الحوار:
=كيف ترى الخطة الأمريكية لوقف حرب أوكرانيا وروسيا؟
خطة الولايات المتحدة حول وقف إطلاق النار في أوكرانيا، هي الفصل الأخير من رواية ترامب لإعادة صياغة العالم، والسيطرة على مفاصل القضايا الدولية، لاسيما أنه منذ إدارة الرئيس باراك أوباما، تراجعت الدور الأمريكى لصالح قوى أخرى ظهرت وأصبحت لها يد الطولى في عديد من القضايا الدولية، وأصبح الدور الذي تلعبه واشنطن إلى حد ما هامشيا، ومنذ إدارتهِ الأولى زادت من هذه التهميش بعدما اختار دونالد ترامب، سياسة "أمريكا أولا"، ولكن في الساحة الدولية ترجمت بعكس ماكان يفكر أو ينوي إليهِ رئيس الإدارة الحالية في دورتهِ الأولى.
منذ عودة ترامب بدأ بحرب مع الكل، عبر سياسة "التعريفات الجمركية" وإخضاع الحلفاء أولا ثم الخصوم تحت عباءتهِ السياسية والعسكرية أيضا، لأن واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية أسست نظاما اقتصاديا متشابكا مكنها من السيطرة على زمام الأمور.
وأنا لا أؤمن بأن كل رئيس أمريكي لديهِ سياستهِ الخاصة تجاه القضايا الدولية، بل كل منهم يكمل الآخر، وهذه الاستراتيجية تُطبق منذ تأسيس أمريكا إلى يومنا هذا، صحيح أن كل رئيس لديهِ بعض الأفكار، ولكنها تترجم وفقا لاستراتيجية البعيدة المدى.
كانت الحرب الروسية – الأوكرانية، مجرد بداية لحقبة تخندق العالم مجددا بين جبهتين متضادين، وخاصة بعدما تراخى عديد من دول العالم من التزاماتهِ السياسية والاقتصادية تجاه الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسهُ، كانت هيكلة القطاع العسكري، التى كشفت المستور بين الخصوم، ولكن الى يومنا هذا لم نرى أي أسلحة جديدة في الساحة من الجانب الروسي أو من الجانب الآخر الغربي، فقط صاروخ "أورشينيك"، وحتى الدول الحليفة لكييف فرغت مستودعاتها من الأسلحة القديمة في المستنقع الأوكراني، وتبديلها بأنواع حديثة ومتطورة.
وعندما فهم الجميع بأن الحرب الاستنزاف التي وضعت لتدمير روسيا، عادت بشكل عكسي، بدأت الأصوات خلف الأبواب المغلقة تنادي الإدارة الأمريكية بالتصرف وفق ماتراه مناسبا.
=هل الموقف الأوروبي سيكون له دور في المحادثات؟
أوروبا منذ اليوم الأول، للغزو الروسي لأوكرانيا اتخذت موقفا حاداً تجاه روسيا، وعولت على لغة السلاح عوضا عن لغة الدبلوماسية، وحساب خط الرجعة من أي فشل مستقبلي، وهذا يؤكد على ما قلناه سابقا أن قادة الاتحاد الأوروبي، يفتقدون الى المهارة السياسية والدبلوماسية، وهم مجموعة من قادة متهورين لا أكثر.
الآن بعدما كانوا يعولون على أمريكا للدفاع عنهم، الآن أمريكا أجبرتهم على دفع 5% من ميزانتهم لتمويل حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وكذلك شراء مزيد من الطاقة الأمريكية التي تصل ميزانتها سنويا الى مايقارب تريليون دولار، ناهيك عن دفع 15% من تعريفات الجمركية التي أكده جميع مسؤولي التكتل الأوروبي بإنه "أسوء اتفاق" جرى مع واشنطن.
ترامب يعتمد تهميش الأوروبيين، وحتى أثناء الحملة الانتخابية قبل توليهِ منصبهِ أكد عدة مرات، بأنه لن يدافع عن القارة الأوربية ولكن لا أحد تجرأ أن يرد عليهِ أو يؤكد أنه يمكنه حماية سيادتهِ دون دعم أمريكا
اليوم أرى التكتل يشبه الكورال الذي يقف المايسترو، ويتحركون وفقا للإشارة بين القبول أو النفي، فهم لا يملكون أوراق تفاوضية قوية، ولا اقتصاد متين يمكنهم الصمود سنوات أخرى من تمويل الحرب لصالح كييف.

=هل أوروبا تستطيع الضغط على ترامب؟
بالعكس الآن هم بحاجة إلى ترامب، لإنهاء هذا الاستنزاف الذي كانوا يعتقدون بأن القوات الروسية ستتحطم أمام الدعم الهائل الذي يقدمونهُ للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، متجاهلين إن الدولة الأوكرانية منذ عقود تعاني من الفساد المستشري والمحابات بين قياداتهِ السياسية والعسكرية.
كل مايمكن أن يقدمه أوروبا لترامب، هي مطالبة بتعويض جزء من تلك المساهمات المالية والعسكرية التي قدمتها بروكسل لكييف خلال السنوات الثلاث الماضية، دون ضمان حصول عليها.
وبالمناسبة الأوروبيين كانوا على علم بخطة ترامب، عن وقف أطلاق النار، لهذا أستعجلت بعض الدول لإبرام صفقات عسكرية ضخمة مع الجانب الأوكراني، لإجبار أي حكومة قادمة إن أطيح بزيلينسكي قريبا أن يلتزم بها، أو تعويض الخسائر المالية جراء الغاء الصفقة.
ماذا يُمكن أن تفعل أوروبا وما هي الأوراق التي تملكها؟
ليست أوروبا كلها، وإنما بعض الدول وخاصة بريطانيا، بولندا وألمانيا، قد يعرقلون مسار السلام ووقف إطلاق النار عبر دفع بالرئيس الأوكراني إلى المماطلة أو رفض الخطة بشكل كامل، لأن هذه الدول بحاجة الى إشغال روسيا في هذه الحرب لأطول فترة ممكنة، بسبب مخاوفهم من وصول الدور اليهم مستقبلا، وخاصة بولندا، التي تشارك روسيا فى الحدود.
وبريطانيا أيضا بحاجة الى استنزاف الكرملين بقدر أكبر من الخسائر، لكي تخلق فيها حالة الفوضى مثلما حدث فى تسعينات القرن الماضي، ولكن ألمانيا بين الأمرين، فهى تريد أن تتفاوض مع موسكو،وفتح قنوات خاصة عبر برلين في ظل غلق جميع ممرات الطاقة الروسية.
الورقة الرابحة كانت بيد أوروبا في الشهور الأولى من الحرب، ولكنها رويدا رويدا بدأت بلعبة الوهم السياسي والعسكري بأنهم متفوقون على الجانب الروسي عددياً، متناسين أن التاريخ العسكري الروسي يُصاب بالنكسات في بداية كل حرب، ولكن تدريجيا يتواءم مع الوضع
كان بإمكان بروكسل تشكيل لجنة تفاوضية دون الرجوع الى واشنطن، وتنفيذ جزء من مطالب موسكو، والإبقاء على الآخرين قيد الدراسة، ولكن اليوم مجبرين على تنفيذ كافة مطالب موسكو، دون أي إلغاء أو رفض بند واحد، مثلما طُرح في خطة ترامب.

هل الحراك الأوروبي في الساعات الماضية سيكون له تأثير أم مجرد ذر الرماد في العيون؟
أوروبا تعيش حالة من الازدواجية فى المعايير وخاصة فى العديد من الملفات الدولية، وهذا ما يجعل هذه الدول تفتقد المصداقية في التعاملات الدبلوماسية على الرغم من أن هذه الدول تمثل قارة كاملة وتعداد كبير من السكان واقتصاد متين، ولكن ينظر إليهم على أنهم دول قزمة لا تمتلك أي مقومات للتهديد مباشر، وأي قرار سياسي ضد أي تجاوزات لعالمية، مثلا لم يستطيعوا أن يعاقبوا على إسرائيل جراء الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، بالعكس تل أبيب هددتهم برد قوي، الأمر الذى أجبرهم على الصمت، وكذلك في السودان، وغيرها من القضايا
وفي الملف الأوكراني ربما يدفعون زيلينسكي بالذهاب لتحدي ترامب مجددا، للسماح لهم بالدخول على خط التهدئة والحصول على مقعد في المفاوضات القادمة مع روسيا بجانب الولايات المتحدة.


