قصة الإسعاف المصري فى مواجهة «الكوليرا» يرويها فيلم تسجيلى على قناة الوثائقية| فيديو
استعرضت قناة "الوثائقية" فيلمًا عن تاريخ "الإسعاف المصري" تناول قصة نشأة هذا الصرح الإنساني الكبير ودوره الممتد في إنقاذ الأرواح منذ أكثر من قرن؛ وجاء الفيلم ليعيد إحياء لحظة تاريخية فارقة، ارتبطت بانتشار وباء الكوليرا في بدايات القرن العشرين، حين كانت مصر في أمسّ الحاجة إلى مبادرة إنسانية كبرى تعيد الأمل وسط الكارثة.
وباء الكوليرا وميلاد الفكرة
مع مطلع القرن التاسع عشر، اجتاح وباء الكوليرا العالم وأودى بحياة مئات الآلاف على مدار عقود طويلة، في ظل غياب العلاج الفعّال، وفي عام 1902، ضربت مصر موجة شرسة من هذا الوباء، تزامنًا مع وجود جاليات أجنبية متعددة على أرضها، وبين هؤلاء كان الطبيب الإيطالي فيترو باساي، الذي حمل معه تجربة قاسية عاشتها بلاده مع الوباء، لتصبح دافعًا وراء إطلاق مبادرة غير مسبوقة في مصر.
بخطوة إنسانية جريئة، أسس الطبيب الإيطالي عام 1902 جمعية الإسعاف بالإسكندرية، لتكون أول نواة منظمة لخدمة المصابين وإنقاذ الأرواح، الفكرة لاقت صدى واسعًا لدى الجاليات الأجنبية المقيمة آنذاك، كما وجدت دعمًا من المصريين الذين أدركوا أهميتها في مواجهة الأزمات الصحية، وبعد ست سنوات فقط، وتحديدًا في عام 1908، تأسست الجمعية الإسعافية في القاهرة، لتأخذ المبادرة بعدًا وطنيًا أكبر.
المسعفون الأوائل متطوعون
خلال تلك الفترة، لم يكن هناك نظام أكاديمي لتأهيل المسعفين كما هو قائم اليوم، بل كان المتطوعون الأوائل يتدخلون لإنقاذ المصابين بجهود ذاتية، ولشدة التصاقهم بأجهزة الدولة، أطلق عليهم الأهالي آنذاك لقب "بتوع الشرطة"، هؤلاء المتطوعون حملوا رسالة إنقاذ الأرواح بصدق وإخلاص، تمامًا كما يفعل اليوم متطوعو الهلال الأحمر المصري.
لم تقف المبادرة عند حدود الجهود الفردية، بل تحولت مع مرور الوقت إلى خدمات إسعاف منظمة، باتت جزءًا أصيلًا من المنظومة الصحية المصرية، الفيلم أوضح أن هذا الإرث الإنساني لم يقتصر على مواجهة الكوليرا فحسب، بل أسس لثقافة مجتمعية تقوم على العمل التطوعي والتكافل في مواجهة الكوارث، ومع كل جيل جديد، كان يتم نقل رسالة إنقاذ الأرواح، لتصبح ركيزة في بناء الهوية الإنسانية للدولة المصرية.

الإسعاف .. دور ممتد حتى اليوم
منذ نشأته وحتى اليوم، ظل الإسعاف المصري شاهدًا على محطات مفصلية في تاريخ الوطن، بداية من مواجهة الأوبئة، مرورًا بالحروب، وصولًا إلى الكوارث الطبيعية والحوادث اليومية، ورغم التطور الكبير الذي شهدته المنظومة من سيارات حديثة وتجهيزات طبية متطورة، فإن الجذور الإنسانية لهذه الخدمة ما زالت حاضرة بقوة.
الفيلم الوثائقي أبرز أن قصة الإسعاف المصري لم تكن مجرد نشأة مؤسسية، بل هي قصة رسالة إنسانية بدأت من قلب وباء قاتل، وتحولت إلى رمز للتضامن والرحمة. إنها رسالة تتجدد يومًا بعد يوم عبر الأطباء والمسعفين والمتطوعين الذين يسيرون على خطى المؤسسين الأوائل، لتظل مصر قادرة على مواجهة التحديات الصحية وحماية أرواح أبنائها.