في خضم انتخابات برلمانية على صفيح ساخن، تقترن بظواهر تستحق الاقتراب والتحليل، أجدُ نفسي مدفوعاً في مقال هذا الأسبوع، لأن أتناول قضية أهم وأخطر، حيث أطرح سؤالاً يؤرقني ويشغل الكثيرين: ماذا يحدث في مدارسنا؟
اعترف بأن المرة الأولى التي شعرت فيها بالخوف على أبنائي، كانت في أول يوم مدرسة، فلم أكن أستوعب حينها فكرة تسليمهم لباص المدرسة صباحاً، ثم استعادتهم بعد يوم دراسي طويل، وهم بعيدين عن أنظاري، دون أن أعرف مع من يتعاملون.. وإلى ماذا يتعرضون.. وماذا يلتقطون، وهذه الحالة من الخشية وإن هدأت وتيرتها بمرور السنوات، إلا أنها تتجدد مع كل واقعة مؤسفة يُماط عنها اللثام في مدارسنا.
إن كم الوقائع التي يتم كشفها مؤخراً عن سلوكيات غير سوية في عدة مدارس؛ مُفزع، وتفاصيلها صادمة، بما يشير إلى أن ثمة قصور يوجد مناخاً غير آمن للأبناء داخل عدد غير يسير من المؤسسات التعليمية، ويُنذر بضرورة التحرك العاجل للتصدي لأوجه القصور التي سمحت بتجاوزات مُتكررة في حق أمان الأبناء، بلغت حد الجرائم.. نعم الجرائم.. فالبون شاسع بين قصور من مؤسسة تعليمية، يٓضر بالمستوى التعليمي للطلاب، أو الانضباط المطلوب، وبين جرائم تنال من الطفولة، والبراءة، والثقة، والأمان، والشرف، بل تتم بصورة ممنهجة، كما تكشف الواقعة الأخيرة، بتواطؤ عاملين بالمدرسة، يتستر كل منهم على الآخر، ليتحول الأمر إلى شبكة إجرامية متكاملة.
وحتى لا يتفرق حق الأبناء ويضيع سُدى، فهذه الوقائع لم يعد كافياً التعامل معها بمنطق المُسكنات، فقلوب أهالي الضحايا لن تهدأ بأحكام قضائية ناجزة حيال مرتكبي الجرائم، أو بقرارات إدارية عاجلة في مواجهة إدارات المدارس محل الوقائع، فالأهم هو معرفة كيف سُمح بحدوث هذه الجرائم؟ ولماذا تأخر كشفها؟ وكيف نمنع تكرارها؟ فهذا الكم الشنيع من الوقائع التي تم كشفها يشي بوجود وقائع أخرى لم تُكتشف بعد.
إن حدوث مثل تلك الجرائم يرتبط بإهمال جسيم من إدارات المدارس، التي لم تعد تنتفض إلا عند جمع الأموال ومضاعفة المصروفات، دون أن تفكر في تدقيق إجراءات اختيار العاملين بها، ومتابعة أدائهم وسلوكهم، والكشف الدوري عن تعاطي المُخدرات التي أزعم أنها مُحركٌ رئيسي لتلك الجرائم المُشينة، كما لم تكترث إدارات تلك المدارس بتفعيل دور الإشراف المدرسي في المرور الدائم لمتابعة الانتظام وأمان الطلاب خارج الفصول، كما تتابع العملية التعليمية داخلها، مع تكثيف كاميرات المراقبة لرصد أي تجاوز، إلى حد وجود مكان محدد لارتكاب الجرائم في آخر الوقائع، لم تلتقطه أعين المشرفين، عن إهمال أو تواطؤ، لتكون المحاسبة واجبة لمنع تجدد الحوادث.
وإذا كنا نواجه إدارات المدارس بمسؤوليتها في حدوث الجرائم، وتأخر كشفها، فإن الأسرة تتشارك مع المدرسة في مسئولية تأخر الكشف، كما أن عليها دور لمنع التكرار، وأتساءل هنا ما إذا كان أولياء الأمور يمارسون دورهم في توعية الأبناء بالحفاظً على المسافة الآمنة مع كل المتعاملين معهم، والحذر حيال الممارسات الخادشة تجاههم بداية من التلامس والتحرش منعاً لمزيد من التجاوز يصل حد الاعتداء الجنسي كما تكشف الوقائع، وهل يحرص كل أب وأم على المتابعة الدقيقة لسلوك الأبناء، لرصد أي اضطراب أو تغير يطرأ عليهم، كأن يتحول لكائن إنطوائي أو عدواني أو متمرد، وهل يتخذ أولياء الأمور من الأبناء أصدقاء لهم، كي يصارحونهم بكل ما يجري معهم.
لست أظن أن هناك قصوراً في التشريعات التي تتصدى لهذا النوع من الجرائم، فقد اتخذ القانون المصري خطى مهمة بتغليظ عقوبة التحرش ذاته؛ لتصل حد "الجناية" إذا اقترنت باستغلال السلطة، أو تعدد مرتكبيها، أو التهديد باستخدام سلاح، وقد اكتملت تلك الأركان في آخر الجرائم ذيوعاً، حيث تجاوزت كل خط أحمر، لتستوجب عقاباً رادعاً يشفي صدور أهالي الضحايا، بل أقصى عقوبة ممكنة، كي لا يتبعها جريمة أخرى، بأيدي آثمة جديدة تغتال البراءة في قلوب الصغار، الذين هم أمانة في أعناق المجتمع جميعاً.