بها يتم الزواج أو ينتهي.. مسئولية الكلمة وخطورتها في الإسلام
كشف الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، ومفتي الجمهورية الأسبق، عن مسئولية الكلمة منوها أنها أمرٌ مهمٌّ في حياة الناس، وأمرٌ مهمٌّ تنعقد به عقودُ البيع، وعقودُ الزواج، وعقودُ الطلاق، وتنعقد به الهِبَةُ والوصيّة.
وقال علي جمعة، في منشور له على فيس بوك، إن مسئولية الكلمة هي التي تجعل المسلم محترمًا أمام نفسه، محترمًا أمام الناس، وجيهًا عند ربِّه؛ إذا ما مدَّ يديه إلى السماء يقول: «يا ربّ، يا ربّ» استجاب الله له.
وأضاف أن الكلمةُ مسئوليةٌ في دين الله، حيث يقول سبحانه وتعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات: 22–27].
وذكر علي جمعة، أنه من أجل مسئوليّة الكلمة حرَّم الشرعُ الشريفُ الكذب، وحرَّم اليمينَ الغَمُوسَ الذي يَغْمِسُ صاحبَه في النار، وحرَّم شهادةَ الزور، وحرَّم الغيبةَ والنميمة.
وأوضح أن مسئولية الكلمة تجعل الإنسان دائمًا حريصًا على ألّا تخرج من فمه كلمةٌ تُغضِب الله، أو تُخالِف ما كان عليه رسول الله.
واستشهد علي جمعة، بقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، ويقول تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء: 53] كما يقول سبحانه وتعالى: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }.
كما أن مسئولية الكلمة نراها مع الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، عندما أراد أن يُحَدِّد للناس المهور، فإذا بامرأةٍ تقوم فتستدلُّ عليه بكتاب الله، فينتهي ويقول: «كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ!» – مرتين أو ثلاثًا – ثم رجع إلى المنبر فقال للناس:
«إنِّي كنتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تُغَالُوا في صَدَاقِ النِّسَاءِ، أَلَا فَلْيَفْعَلْ رَجُلٌ في مَالِهِ مَا بَدَا لَهُ».
وكان عمر رضي الله تعالى عنه وَقَّافًا عند كتاب الله وعند سنة رسول الله، ويقول: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ مَنْ رَفَعَ إِلَيَّ عُيُوبِي».
ويقول سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، ويقول ربنا سبحانه وتعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].
وعن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قال: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. ثُمَّ تَلَا: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ: {يَعْمَلُونَ}. ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ – أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ – إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» [سنن الترمذي].
وفي النهاية أكد علي جمعة، أنَّ مسئوليَّةَ الكلمةِ هي التزامُ المؤمنِ ومُحاسبتُهُ لنفسِه على ما يخرجُ من فمِه من قولٍ، مراقبةً لله تعالى وخشيةً من حسابِه؛ وأمَّا كلمةُ المسئوليَّةِ فهي هذا المعنى الكبيرُ نفسُه، الذي يملأُ قلبَه شعورًا بالتَّبِعةِ أمام اللهِ وأمامَ الخلق. فإذا استقرَّت كلمةُ المسئوليَّة في القلب، أثمرت مسئوليَّةَ الكلمة على اللسانِ والجوارح، وصار العبدُ ميزانًا للحقِّ في قولِه، ووفائِه، وعهوده، وتصرفاتِه.

