مبيت 10
الدراما بين الواقع والتهويل.. مخرجون ونقاد يكشفون حدود الحقيقة الفنية|خاص
تثير علاقة الدراما بالواقع جدلا كبيرا بين صناع الفن والجمهور، خاصة مع تصاعد الأعمال التي تمزج بين القسوة والمبالغة والتصعيد الدرامي.
وفي تصريحات خاصة لـ"إيجبتك":، قدم عدد من المخرجين والنقاد رؤى حول حدود نقل الواقع، وأسباب انجذاب المشاهد للأعمال المليئة بالمآسي، ودور المدارس الفنية المختلفة في تشكيل الصورة التي تظهر على الشاشة.
الدراما بين الواقع والحقيقة
قال المخرج الكبير أحمد فؤاد درويش، إن الدراما ليست ملزمة بتقديم الواقع كما هو، لأن هذا المفهوم يخص المدرسة الواقعية فقط، مشيرا أنها تهتم بنقل التفاصيل حرفيًا وتعتمد أحيانًا على إثارة غرائز المشاهد لجذبه.
وأضاف درويش في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك": أن الواقعية الحقيقية، هي تقديم روح الواقع، وليس نسخه كما يحدث، وهو ما ظهر في أعمال صلاح أبو سيف وبعض أفلام يوسف شاهين مثل الأرض وباب الحديد.
وأوضح أن الدراما قد تلجأ للمبالغة أو التهويل في بعض الأحداث كجرائم القتل، لكن هذا اختيار فني وليس قاعدة ثابتة، مشيرا إنه لا يعمل في مجال المسلسلات، لكن حتى في السينما حيث المساحة أكبر لا يميل إطلاقًا إلى تقديم مشاهد عنف مفرط.
واشار إلى أن بعض المخرجين يُتهمون بالسادية والتلذذ بالعنف، مثلما وجهت هذه الانتقادات من قبل إلى أفلام أشرف فهمي المخرج المعروف.
وتابع أنه في فيلم حلاوة الروح المأخوذ عن قصة ليوسف إدريس واجه مشهد اعتداء داخل السجن، ورغم قسوته حرص على تقديمه بأقل قدر ممكن من العنف، وأخفى تفاصيل كثيرة عن عين المشاهد، مؤكدا أنه لا يحب المبالغة في مشاهد العنف، بل يبتعد عنها تمامًا في أعماله السينمائية.
الأفلام المليئة بالمآسي
قال المخرج الكبير أحمد فؤاد درويش، إن إقبال الجمهور على الأفلام المليئة بالمآسي يعود إلى أكثر من سبب، فالبعض يراها مرآة لواقعه، بينما يتعامل معها آخرون كنوع من الإثارة والانجذاب العاطفي.
وأضاف درويش في تصريحات لـ"إيجبتك": أن السينما الهندية في السبعينات والثمانينات والتسعينات تعد المثال الأوضح؛ فرغم وجود الرقصات والموسيقى الجميلة، فإن أفلامها كانت غارقة في الميلودراما والمآسي.
وأشارأنه سأل النجم راج كابور خلال زيارته لمهرجان القاهرة عام 1976 عن سر هذه المبالغات، فأجابه بأن حياة المواطن الهندي البسيط آنذاك لم تكن سوى سلسلة من المآسي، فيرى نفسه على الشاشة، مضيفا أن مستوى المعيشة في الهند تغير جذريًا خلال العقود الأخيرة، ما قد ينعكس على ذوق المشاهد الهندي اليوم، أما في السينما المصرية، فالمآسي كانت موجودة، لكن بجرعات أخف بكثير، مثل فيلم المرأة المجهولة لحسن رمزي، وسعد اليتيم لأشرف فهمي، وشفيقة ومتولي لعلي بدرخان.
وأكد درويش أن المشاهد المصري بطبيعته مرح ولا يميل لمشاهدة كم كبير من التراجيديا، ولذلك احتفظت السينما المصرية بمساحة للتخفيف والإنسانية داخل أعمالها، مشيرا أن الدراما ليست ملزمة بتقديم الواقع كما هو، لأن هذا المفهوم يخص المدرسة الواقعية فقط، مشيرا أنها تهتم بنقل التفاصيل حرفيًا وتعتمد أحيانًا على إثارة غرائز المشاهد لجذبه.
الدراما الواقعية
قال المخرج والناقد عصام أبو غريب، إن السينما منذ نشأتها صُنفت وفق مدارس فنية قريبة من المدارس التشكيلية؛ مثل المدرسة الواقعية، والطبيعية، والتأثيرية، والرمزية، وغيرها، موضحا أن من هذا التصنيف، برزت المدرسة الواقعية في السينما بوصفها واحدة من أكثر المدارس تأثيرًا في الجمهور، لأنها تقدم موضوعات مستمدة من قلب المجتمعات الإنسانية والاجتماعية.
وأضاف أبو غريب في تصريحات لـ"إيجبتك": أن تجارب صانعي السينما الكبار الذين انتموا للواقعية، مثل الراحل صلاح أبو سيف في فيلم الزوجة الثانية، حيث انعكس الريف وصراعات الخير والشر بطريقة صادقة، وكذلك المخرج عاطف الطيب في فيلم سواق الأتوبيس الذي قدم موضوعًا من عمق المجتمع المصري ببنائية واقعية واضحة.
وأكد أن التصعيد الدرامي هو جزء أصيل من البناء الفني للعمل، وليس مجرد وسيلة لصنع صدمة أو جذب المشاهد؛ وان البناء المتصاعد بداية ووسط ونهاية يفرض لحظات ذروة قوية، مثلما نرى في فيلم الهروب أو النهاية الصادمة في الزوجة الثانية، أو لحظة مقتل بركات في سلام يا صاحبي، هذه اللحظات ليست تهويلًا بقدر ما هي نتيجة طبيعية لمسار الصراع الدرامي.
وحول الاتهامات السوداوية في بعض الأعمال، أوضح أبو غريب أن الأمر يرتبط بالمدرسة التي ينتمي إليها العمل ذاته، مشيرا أن العمل الدرامي، وخصوصًا المنتمي للواقعية أو الطبيعية، يبنى كمنزل له أساس ووسط وسقف، وقد يستدعي تقديم مشاهد قاسية أو قاتمة للوصول إلى الحقيقة الدرامية.
واستشهد بفيلم شيء من الخوف للمخرج حسين كمال، الذي قدم ملحمة شعبية تعكس استبداد شخصية "عتريس" وتحولها إلى طاغية، مقابل رمزية "فؤادة" بوصفها صوت الحرية والكرامة، قتامة بعض المشاهد، فإن جوهر العمل كان مقاومة الظلم والدفاع عن حرية الإنسان، مؤكدا أن السوداوية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة درامية لطرح قضايا إنسانية كبرى، وأن البناء الدرامي هو الذي يفرض طبيعة الأحداث وشدتها، وليس العكس.
واقعية الأعمال الدراما
قال المخرج السينمائي أشرف موسى، إن الدراما تقف دائمًا على خيط رفيع بين نقل الواقع كما هو وبين اللجوء للتهويل والتصعيد بهدف جذب انتباه الجمهور.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك": أن الأعمال الدرامية تُستخدم كمنصة لطرح قضايا اجتماعية واقعية بصدق، بينما تلجأ أعمال أخرى للمبالغة لخلق تأثير نفسي أو مشاهد صادمة.
وأكد موسى أن تقديم الواقع بصدق قد يسهم في توعية المجتمع وتسليط الضوء على مشكلات حقيقية، في حين أن المبالغة الزائدة قد تنتج صورة مشوهة للواقع وتزرع الخوف أو القلق لدى الجمهور، ويظل جزء من التهويل مقبولا باعتبار أن الدراما في جوهرها فن قائم على الإثارة والمتعة.
وأشار موسى إلى أن "السوداوية" في بعض الأعمال ليست مجرد ترف فني، بل قد تكون انعكاسًا لمعاناة موجودة بالفعل، وتُستخدم للتطهير أو إثارة النقاش حول قضايا حساسة، مشيرا أن الجرعة الزائدة من القتامة تفقد الهدف وتحول العمل إلى مجرد محاولة لاستقطاب المشاهدين.
وأكد على ضرورة تحقيق التوازن بين الحقيقة الفنية ومتطلبات الجذب الجماهيري، حتى لا تفقد الدراما رسالتها الأساسية أو صدقيتها أمام الجمهور.