نحو 47% ارتفاعا في أسعار المنازل في 4 أعوام.. هل يعالج ترامب الأزمة؟
لاتزال أسعار المنازل تسبب صداع في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مواجهة واحدة من أعقد القضايا الاقتصادية والاجتماعية في البلاد مع ارتفاع أسعار المنازل بنسبة 47% بين 2020 و2024، وسط أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن، والتي تدفع بتزايد الاستياء الشعبي تجاه ارتفاع تكاليف المعيشة.
تلك الأزمة التي تسببت في تصعيد من الإدارة الأمريكية وانتقاداتها لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، متهمةً إياه بالإبقاء على أسعار الرهن العقاري "مرتفعة للغاية، فيما تبقي المفارقة، كما يوضح خبراء الاقتصاد، أن جذور الأزمة لا ترتبط برفع الفائدة الأخير بقدر ما تعود إلى سنوات من الفائدة المنخفضة للغاية التي ساهمت في تضخم غير مسبوق بأسعار العقارات.

الفيدرالي.. منقذ سابق يتحول إلى متّهَم
تشير البيانات إلى أن الاحتياطي الفيدرالي راكم ما يصل إلى 1.7 تريليون دولار من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري (MBS)، أي نحو 30% من إجمالي هذا السوق، بهدف خفض تكلفة الاقتراض بعد أزمة 2008.
وبفعل هذا التيسير الكمي غير المسبوق، هبطت معدلات الرهن العقاري إلى حوالي 4% بعد الأزمة، ثم إلى 2.65% فقط خلال الجائحة في 2021، بالتزامن مع موجة العمل من المنزل وطلب كثيف على العقارات، ورغم أن ذلك حفّز الاقتصاد مؤقتًا، إلا أنه أدى في النهاية إلى تضخم أسعار المساكن بشكل غير مسبوق، مع ضعف المعروض.

العرض هو المعضلة الحقيقية الفائدة
على الرغم من أن إدارة ترامب تضغط لخفض الفائدة لتخفيف أعباء الإسكان، يرى أغلب المحللين أن هذه الخطوة لن تعالج المشكلة الجوهرية ، فالولايات المتحدة تعاني من نقص مزمن في المعروض من المنازل المعروضة للبيع، مدفوعًا بواقعين، الأول احتجاز أصحاب المنازل لمساكنهم بسبب تمتعهم بفوائد منخفضة للغاية حصلوا عليها خلال فترة الجائحة، ما يمنعهم من بيع منازلهم أو الانتقال، والثاني يتعلق بقيود تقسيم المناطق والتصاريح التي تعرقل بناء وحدات جديدة في العديد من الولايات، خاصة تلك ذات السيطرة الديمقراطية، وفي ظل هذا الخلل، فإن خفض الفائدة اليوم سيزيد الطلب أكثر، دون زيادة العرض، وبالتالي سيؤدي إلى تفاقم التضخم السكني بدلًا من تهدئته.

محاولات إصلاح... وخلط بين “تكلفة السكن” و“دفعة الرهن”
تقترح الإدارة الأمريكية حاليًا تقديم رهن عقاري لمدة 50 عامًا لتقليل الدفعات الشهرية وجذب المزيد من المشترين. لكنّ خبراء الاقتصاد يحذرون من أن هذا الحل يخلط بين القدرة على تحمّل القسط الشهري والقدرة على تحمّل سعر المنزل نفسه.
فهذا النوع من القروض:
يضاعف تكلفة الفائدة على المدى الطويل
يبطئ بناء الثروة العقارية
يزيد الطلب ويضغط على الأسعار صعودًا
وبالتالي فهو يعد حلًا تجميليًا لا يعالج جذور المشكلة.
الديمقراطيون يتخلون عن القيود… لأول مرة
من اللافت أن عدة ولايات ديمقراطية – مثل كاليفورنيا وماساتشوستس وكولورادو وميريلاند وواشنطن – بدأت تنفيذ إصلاحات جذرية في تقسيم المناطق لزيادة المعروض من المنازل منخفضة التكلفة.
كما أقر مجلس الشيوخ تشريعًا من الحزبين (برعاية تيم سكوت وإليزابيث وارن) يهدف إلى:
تقليص البيروقراطية
دعم بناء وحدات سكنية جديدة
تسريع التصاريح
تقديم حوافز مالية للمطورين
لكن هذا التشريع يحتاج دعمًا من إدارة ترامب ليمرر داخل مجلس النواب.
هل يتدخل الفيدرالي مجددًا؟
أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي جاي باول أن البنك لن يعود لاستخدام التيسير الكمي في سوق الرهون، وأنه ملتزم بخفض حيازاته من الأوراق المدعومة بالرهن العقاري تدريجيًا.
لكن يبقى السؤال، هل سيتراجع رئيس الفيدرالي المقبل المُعين من قبل ترامب أمام ضغوط البيت الأبيض ويعيد هذه السياسة؟، حيث سيعيد هذا السيناريو قد السوق إلى دائرة التضخم القديم.
ما يحتاجه السوق ليس فائدة أقل بل منازل أكثر
تكشف هذه القصة تعقيد أزمة الإسكان الأمريكية، وتوضح أن تحفيز الطلب في سوق يعاني نقصًا حادًا في العرض يؤدي دائمًا إلى نتائج عكسية، فيماوحتى الآن، يبقى الطريق الأكثر فاعلية لحل الأزمة واضحًا، وعلي رأسها بناء المزيد من المنازل، وتحرير قيود تقسيم المناطق، بالإضافة إلي تسريع التصاريح، وتشجيع المطورين على بناء مساكن ميسورة التكلفة، عن طريق أما الضغط على الفيدرالي، أو إطالة آجال الرهون، أو خفض أسعار الفائدة دون معالجة جانب العرض، فسيبقى مسكنًا مؤقتًا يفاقم المشكلة بدلًا من حلها.