«الطلاق يهدد أمن المجتمع»: تحذير من تداعات الانفصال العشوائي
في عام 2019 وبينما تتسارع وتيرة الطلاق في المجتمعات العربية بوصفه حلًا جذريًا لكل ما لا يُطاق من مشاكل في العلاقات الزوجية، صدر كتاب «الطلاق يهدد أمن المجتمع» للمفكر علي محمد الحمادي، ليقدّم تحذيرًا علميا ودينيا من تبعات الطلاق غير المنظّم، لا سيّما ما يُعرف بـ «الطلاق الشفهي»، وذلك من خلال طرح الموضوع الرئيسي كقضية أمنية مجتمعية أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الفكرية والدينية والاجتماعية، لما يحمله من رؤية متعمّقة وآفاق إصلاحية.
التحذير من الطلاق الشفهي
يُعدّ الحمادي من أشدّ النقّاد لنمط الطلاق الشفهي، الذي وصفه بأنه «جريمة تهدّم الأسرة وتشتّت الأطفال»، ويربط المؤلف بين هذا النوع من الطلاق والضرر الاجتماعي الكارثي، لأن مجرد كلمة غضب تُعلن في لحظة يمكن أن تحطّم مؤسسة الزواج دون اعتبار لتداعيات ذلك على الأبناء أو العلاقة الزوجية.
وفي مقدمته، يطرح الحمادي تفسيرًا دينيًا يستند إلى القرآن، مؤكدًا أن الطلاق يجب أن يكون بمعروف وأن يتمّ بعد التفاهم والتشاور، لا كخيار عشوائي يُعلن في لحظة غضب.
حقوق المرأة ومفهوم القوامة
يتناول الكتاب أيضًا حقوق المرأة من منظور قرآني، منتقدًا بعض الفقهاء الذين وضعوا فهمًا فاسدًا للقوامة، معتبرًا أن القوامة كما شرعها الله ليست تفوّقًا، بل مسؤولية نفقة، رعاية، وعدل، يجب أن يتحملها الرجل في مقابل واجباته تجاه الأسرة.
ويركّز الحمادي على أن التشريع الإلهي يحث على المودة والرحمة بين الزوجين، وهو ما يمكن أن يحقق التوازن إذا التزم الفقهاء والمجتمع بمقاصد القرآن، لا بتفسيرات تقليدية فقط.
الأثر الاجتماعي والتهديد للأمن المجتمعي
بحسب تحليلات الكتاب، الطلاق لا يمثل مشكلة فرديّة فحسب، بل تهديدًا بنيويًّا لأمن المجتمع، إذ يوضح الحمادي أن تفكُّك الأسرة يؤدي إلى تشتّت الأطفال وتشريدهم، وهو ما يضعف النسيج الاجتماعي ويؤثر على استقراره.
ويطرح الحمادي حلولًا عملية وجذرية لعلاج هذه الظاهرة، فيدعو أولًا إلى إصلاح قانون الأحوال الشخصية بحيث يتوافق مع تعاليم القرآن ومقاصد الشرع، ويضمن حقوق الطرفين بشكل عادل.
ثم يؤكد ثانيًا على أهمية التثقيف الديني والاجتماعي، بأن يكون الأزواج أكثر وعيًا بحقوقهم وواجباتهم، وألا يُستخدم الطلاق كحل أول للصراعات الزوجية.
كما يقترح إنشاء «عقد نكاح نموذجي» يتضمّن بنودًا تضمن حقوق الطرفين، مما يقلّل من اللجوء إلى الطلاق السريع ويعزّز التواصل والمودة.
القراءة الفكرية والدينية للنص القرآني
يرتكز الحمادي في تحليله على فهم معمّق لآيات القرآن التي تتعلق بالطلاق والزواج، ويعيد تأويلها في ضوء المقاصد، وليس فقط على فتاوى مألوفة، فيربط بين الحكمة الإلهية من وضع الأحكام وبين القوامة والعدالة، في رؤية تدعو إلى إصلاح العلاقات الزوجية عبر التمسّك بالمنطق القرآني.
ويشير إلى الآيات التي تحضّ على الإصلاح بين الزوجين، مثل قوله تعالى: «فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَـرَاضٍ مِّنْهُمَا» (البقرة 233)، كمرجعية أساسية لتنظيم الانفصال بطريقة تضمن الحقوق وتمنع العنف الأسري.
ردود الفعل والانتشار
حازت الطبعة الجديدة للكتاب على اهتمام واسع، وأُقيمت ندوات لعرض مضامينه، مثل ندوة شبكة إعلام المرأة العربية التي تناولت موضوع الطلاق الشفهي وآثاره.
وأشاد عدد من الأكاديميين والمفكرين بالمؤلف لرؤيته التنويرية التي تجمع بين الدين والعقل، معتبرين أن كتابه أداة فعالة للنهوض بالفهم الشرعي الاجتماعي المتوازن.