رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

نحن نعيش في عالم يشهد تطوراً متسارعاً لم تشهده البشرية من قبل، وفي هذا العالم أصبحت التكنولوجيات الرقمية هي المحرك الرئيسي لتطوره الذي يفوق الخيال في بعض الأحيان، وفي ذات الوقت أصبحت نماذج الأعمال المستحدثة والمرتبطة بتلك التقنيات تفرض على الجميع أموراً لم تكن في الحسبان، وتبدو لأول وهلة ضرباً من ضروب الجنون، لتخلق لنا واقعاً جديداً علينا أن نعيشه ونتعامل معه، وإلا أصبحنا خارج السياق وننتمي لعصور ما قبل التاريخ.


وبما أنني نشأت في بيئة إبداعية، فلقد كان والدي، عليه رحمة الله، من كبار الفنانين التشكيليين، والذي تتلمذ على يد العمالقة أدهم وسيف وانلى في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، فلقد شهدت تأثير حركة الفن التشكيلي على الثقافة المصرية، من خلال أعمال والدي، والعديد من زملائه الفنانين الكبار أمثال جاذبية صدقي وتحية حليم وعمر النجدي ومحمود سعيد ومحمود خليل وعبد الهادي الجزار وحامد ندا، وغيرهم الكثير من العمالقة الذي لا تتسع السطور لذكرهم جميعاً، والذين كانوا من أدوات القوي الناعمة المصرية، كونهم أصبحوا منارات للتنوير في مصر ومحيطنا العربي والأفريقي بل في العالم أجمع. 


ومن هنا فكرت كيف يكون لنا أيضاً الريادة في هذا المجال في عصرنا الرقمي، وخاصة إن الفنون الرقمية، والتي بدأت تظهر على الساحة بمنتهي القوة خلال العقود القليلة السابقة، أصبحت مغيرة للكثير من المفاهيم التقليدية في عالم الفنون والآداب.


ولكن ما هو الفن الرقمي في الأساس؟

 الإجابة ببساطة فأن الفن الرقمي، طبقاً للعديد من الأوراق البحثية المنشورة، يتم تعريفه على أنه أي عمل أو ممارسة فنية تستخدم التكنولوجيا الرقمية كجزء من عملية الإبداع أو العرض. وهذا ما يجعل مجالات الإبداع فيما يخض الفنون الرقمية بلا حدود حرفياً. 


ومنذ بدايات ستينيات القرن الماضي، تم استخدام أسماء مختلفة لوصف الفن الرقمي، بما في ذلك فن الحاسبات الآلية وفن الوسائط المتعددة، وفن الوسائط الجديدة. 

 

وقد بدء تطوير هذه النوعية من الفنون على يد جون ويتني، والذي يعتبر واحداً من رواد استخدام الحاسبات الآلية في الجرافيك عن طريق استخدام العمليات الحسابية لتطوير الرسومات الفنية، وفي ذات التوقيت، وفي عام 1963، قام المبتكر إيفان ساذرلاند باختراع أول واجهة رسومية تفاعلية للمستخدم تُعرف باسم Sketchpad.

 

 وكذلك قام آندي وارهول بعمل ابتكار فنياً رقميًا باستخدام الحاسب الآلي الشخصي Amiga، عندما تم تقديم هذا الحاسب الآلي للجمهور في مركز لينكولن بنيويورك في يوليو 1985، حيث قام وارهول بالتقاط صورة أحادية اللون من كاميرا فيديو للمعنية الأمريكية ديبي هاري، ومن ثم معالجتها من خلال برنامج الرسومات ProPaint عن طريق إضافة لون لتلك الصورة أحادية اللون.


ومع تطور التقنيات الرقمية بشكل مطرد خلال الست عقود السابقة، لدرجة أننا أصبحنا نعيش في عالم متصل بلا عودة، ونعتمد فيه على التكنولوجيا بشكل أساسي في كل مناحي الحياة، بدءاً من استخدام البريد الالكتروني لأداء أعمالنا إلى التواصل اليومي بين مليارات البشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإرسال مئات المليارات من الصور والنصوص ومقاطع الفيديو بصورة يومية لبعضنا البعض، ظهرت مفاهيم جديدة للفنون في هذا العصر الرقمي الذي نعيشه اليوم، وخاصة من قبل جيل الألفية الثالثة وما بعدها، والذين نشأوا في بيئة رقمية، وأصبحت التكنولوجيا فيها امتداداً طبيعياً لحواسهم المادية، لدرجة أنهم أصبحوا يعيشون في عالم هجين، ما بين العالم المادي والعالم الافتراضي، بصورة يصعب فصلها. 

 

وعليه بدأ في الظهور بقوة هذه النوعية من الفنون المستحدثة التي يتم تطويرها وصنعها باستخدام البرمجيات أو أجهزة الحاسبات الآلية أو الأجهزة الإلكترونية الأخرى، مثل الرسوم المتحركة والصور الفوتوغرافية والرسوم التوضيحية ومقاطع الفيديو واللوحات الرقمية وحتى المنحوتات.
مع التطور التكنولوجي المتسارع وظهور تطبيقات البلوكشين القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ونماذج أعمالها المتحدثة

 

 والتي من أهمها الرمز غير القابل للاستبدال Non-Fungible Token (NFT) هو معرف رقمي فريد يتم تسجيله على البلوكشين، ويستخدم للمصادقة على ملكية وأصالة الأعمال الفنية الرقمية، وهذا ما سمح للمبدعين في العالم الرقمي التوسع من خلال هذا الوسيط الجديد.

 

 وفي عام 2021، نما حجم سوق الفنون الرقمية بمقدار 41 مليار دولار مقارنة بالعام السابق، وهذا ما جعل بنك الاستثمار Jefferies يرفع من توقعاته فيما يخص القيمة السوقية للفنون الرقمية الخاصة به باستخدام NFT إلى أكثر من 35 مليار دولار لعام 2022ـ ويقدر أن حجم هذا السوق سيتجاوز 80 مليار دولار بحلول عام 2025.
 

 

وبدون شك فأن التوقيت يمكن أن يكون عاملاً في النمو السريع أيضًا لهذه النوعية من الأعمال، فبعد أن أجبر وباء كورونا عددًا كبيرًا من المعارض على إغلاق أبوابها وانخفاض مبيعات الفن العالمية بشكل كبير، مما جعل نظر المشترون يتجه إلى أسواق وتطبيقات NFT الفنية، باحثين بشغف عن قنوات جديدة لاقتناء الأعمال الفنية والاستثمار فيها بعيداً عن الأسواق والقنوات التقليدية.


ويعتبر العمل الفني الرقمي Beeple’s NFT Everydays: The First 5000 Days هو صاحب الرقم القياسي حتى الآن في مجال الأعمال الفنية الرقمية، والذي تم بيعه في عام 2021 في قاعة سوثبي الشهيرة للمزادات بقيمة 69 مليون دولار، بما مهد الطريق لبدء مرحلة جديدة من الاستثمار في عالم الأعمال الفنية الرقمية الفريدة والمتميزة. 

 

وهذا ما أكد عليه جيوم سيروتي الرئيس التنفيذي لصالة المزادات الشهيرة "كريستي" بقوله إن عالم الفن الرقمي سيتقاطع مع عالم الفن المادي ليشكلا نسيجاً جديداً لتوسيع سوق الأعمال الفنية بصورة غير مسبوقة.

 

 كما أشار الشريك المؤسس لمجموعة Art Intelligence Global يوكي تيراسي أن تقنيات الرمز غير القابل للاستبدال NFT ستحدث ثورة في الطريقة التي نستهلك بها الفن وتجربته ومشاركته، وسيتم تشكيل هذا النظام البيئي الجديد ودفعه إلى حد كبير من قبل لاعبين جدد في السوق، وخاصة في شرق آسيا. وهذا كله يؤكد أن مستقبل الفنون هو في العالم الرقمي الذي أصبح امتدادا للعالم المادي، لأنه يوفر منصة يمكن للمبدعين في جميع أنحاء العالم الوصول إليها بدون عناء، مما يساعد على خلق أشكال جديدة من الملكية والتجارب مع الفن، ويفتح آفاقاً بلا حدود للإبداع.

 


لذا علينا التمعن والعمل على كيفية النهوض بهذا الفرع الجديد من الفنون في مصر، لتظل الدولة المصرية ومبدعيها في الريادة دوماً، كما كان الحال منذ آلاف السنين وحتى وقتنا الراهن. والأمر دائماً يبدأ بالرؤية والتي أتصور أنها جعل مصر ومبدعيها مركز ثقل التأثير الثقافي والفني في العصر الرقمي على المستويين الإقليمي والدولي.

 

 
وأن تكون رسالتنا هي توظيف التكنولوجيا الرقمية كقاعدة ومحفز ووسيلة لإطلاق موجة جديدة من الإبداع الثقافي والفني من قبل المبدعين والفنانين المصريين، نحو الحفاظ على الريادة الثقافية المصرية والقوة الناعمة الوطنية في كلا العالمين المادي والرقمي.

 


كما يجب أن يكون لدينا أهدافاً نتكاتف جمعياً لتحقيقها، والتي أري أن من أهمها بناء صناعة ثقافية تنافسية قابلة للتعامل مع المستجدات المتسارعة بأدوات ومفاهيم القرن الواحد والعشرين، وخلق جيل جديد من المبدعين المصريين قادرين على الإبداع المؤثر في العصر الرقمي والوصول به للعالمية، وزيادة نسبة مساهمة مكون الفنون الرقمية في الناتج المحلي، والعمل على الاستفادة القصوى للإمكانيات والفرص التي توفرها التكنولوجيا الرقمية لزيادة القيمة المضافة للثقافة والفنون المصرية للمجتمع المصري والعربي، بل وللعالم أجمع، على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وربط قطاعي تكنولوجيا المعلومات والثقافة لخدمة المنظومة الثقافية والإبداعية الوطنية، ورفع الوعي المجتمعي فيما يخص الفنون الرقمية.

 


ولتحقيق هذا كله على الأرض علينا أن نبني إطاراً عاماً يتم تنفيذه. يتألف الإطار العام الخاص ببناء منظومة الفنون الرقمية الوطنية من عدة محاور متكاملة وهي:


المحور الأول: التوعية


يتم من خلال هذا المحور عمل مجموعة من البرامج التوعوية عن الفنون الرقمية وأهميتها، سواء داخل مجتمع الفن المصري بصفة خاصة أو للمجتمع ككل بصفة عامة، من خلال وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المقروءة بشكلها التقليدي والرقمي.


المحور الثاني: اكتشاف المواهب


يتم عمل خطة عمل لاكتشاف المواهب الواجب رعايتها في مجالات الفنون الرقمية، وخاصة في المرحلة السنية من 15-25 سنة، والتي تمثل جيل الألفية الثالثة، المولودين في بيئة رقمية، وهذا بالتنسيق مع وزرات التعليم، والتعليم العالي، والشباب والرياضة، داخل المدارس والجامعات والتجمعات الشبابية.


المحور الثالث: التعليم المتخصص


يتم التوسع في تخصصات الفنون الرقمية داخل منظومة التعليم العالي بالجامعات الحكومية والأهلية، لمنح درجات البكالوريوس والماجستير في فروع الفنون الرقمية، وخاصة داخل كليات الفنون الجميلة والفنون التطبيقية وعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى معاهد السينما والمسرح وأكاديميات الفنون، وهذا كخطوة أولي نحو إنشاء كليات متخصصة في الفنون الرقمية قائمة بذاتها، كما حدث في الجامعة الأهلية الوليدة التي أسستها وزارة الاتصالات المصرية داخل حرم مدنية المعرفة بالعاصمة الإدارية الجديدة.


المحور الرابع: البحوث والتطوير


رصد موازنات ضمن موازنة البحث العلمي، تكون مخصصة للبحوث التطبيقية في المجالات الخادمة لمنظومة الفنون الرقمية، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر، تقنيات الذكاء الاصطناعي، والجيل الثالث من الانترنت، وبرامج الجرافيك والتصميم، والواقع المدمج والمعزز، وغيرها، وهذا لربط قطاعي تكنولوجيا المعلومات والفنون بعضهما البعض.


المحور الخامس: بناء الكوادر الوطنية


عمل برامج تدريبية وتحويلية لبناء قاعدة من الكوادر الوطنية في فروع الفنون الرقمية، سواء لإنتاج منصفات فنية رقمية أو تدريس المواد العلمية والمهارات الفنية للمهتمين بالدخول في مجال الفنون الرقمية بصورة أكاديمية أو حرة.


المحور السادس: حاضنة الفنون الرقمية


إنشاء مجموعة من حاضنات الفنون الرقمية، بالتعاون مع الجهات ذات الصلة، مثل وزارتي الاتصالات والتعليم العالي، واكاديمية البحث العلمي، والقطاع الخاص المتخصص في إدارة الحاضنات، والنقابات المهنية، مثل نقابة الفنانين التشكيليين، لتساهم في صقل مهارات الشركات الناشئة الراغبة في العمل في مجالات الفنون الرقمية، بصورة احترافية، من خلال حاضنات أعمال، ومساعدتهم على تطوير نماذج أعمال مبتكرة، وربطهم بسلسة إمداد صناعة الفنون الرقمية، وتسويق إنتاجهم، على أن تكون فترة الاحتضان تتراوح بين 3-4 شهور على الأكثر.


المحور السابع: بناء الشراكات الدولية


يتم تفعيل الشراكات الدولية في مجال الفنون الرقمية، سواء مع الدول التي بدأت تخطو خطوات ثابتة في مجال الفنون الرقمية، أو الشركات الدولية العاملة في التقنيات المتعلقة بالفنون الرقمية، أو كبار صالات العرض الرقمية المتخصصة في تسويق الأعمال الفنية الرقمية أو المستثمرين وصناديق الاستثمار الجريء، لضمان نقل الخبرات وتوسيع قاعدة استفادة صناعة الفنون الرقمية الوطنية من الخبرات العالمية، وفتح قنوات اتصال مع كبار اللاعبين في هذا المضمار، وجذب الاستثمار المباشر.


المحور الثامن: التسويق الدولي


عمل خطة متكاملة لتسويق الفنون الرقمية الوطنية على المستوي الإقليمي والمستوي الدولي، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، وحضور المعارض والمنتديات الدولية المتخصصة في هذا المجال، لاستعراض الأعمال الفنية الرقمية الوطنية، وجذب الاستثمار المباشر لهذا القطاع الواعد، بالإضافة إلى إنشاء منصات لعرض وبيع الأعمال الفنية الرقمية، وتسويقها على منصات التواصل الاجتماعي، والمواقع الدولية ذات الصلة.

 


ومما سبق ولضمان تكامل الأنشطة المتعلقة بالمحاور السابقة ذكرها، فمن المقترح إنشاء كيان مستقل تحت مسمي "المجمع المصري للفنون الرقمية" ليكون بمثابة المنسق العام لمختلف الأنشطة في هذا الشأن، ويشرف على تنفيذها بالطريقة التي تحقق بها أهداف هذا المشروع الوطني الطموح، ويعمل كجسر للتواصل مع مختلف الجهات والهيئات ذات الصلة، للوصول بالمنظومة إلى معايير أداء عالمية، ويضع الدولة المصرية كلاعب أساسي في مجال الفنون الرقمية، على مستوي العالم.


هذا المشروع يعتبر من أهم المشروعات التي من الممكن أن تنقل الحالة الثقافية والإبداعية والفنية في مصر لعالم أكثر أتساعاً، يتم فيها المزج بين العالم المادي والعالم الافتراضي، ويؤكد على الريادة الإبداعية المصرية ليس فقط على مستوي الإقليم، بل على مستوي العالم أجمع، باستخدام أدوات هذا القرن.


وعليه من المقترح الاستعانة بأحد بيوت الخبرة العالمية أو المحلية المتخصصة لعمل استراتيجية متكاملة ومفصلة، يتم تنفيذها خلال الأعوام 2024-2029، مع تحديد دقيق للأنشطة المطلوب تنفيذها، والجهات ذات الصلة، وكذا دور كل جهة والفوائد العائدة عليها، ودراسة التجارب المماثلة في الدول الأخرى، وأهم الدروس المستفادة منها، وتحديد مناطق القوة والضعف والفرص والمخاطر، والموازنة الخاصة بتنفيذ أنشطة المشروع ومصادر الدخل المقترحة، ومعايير الاستدامة والنجاح وقياس الأداء، في اتجاه أن تكون مساهمة قطاع الفنون الرقمية في الناتج المحلي، لا تقل عن 10-15 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، وأليات تحقيق ذلك، خلال فترة تنفيذ الاستراتيجية.

 


وأخيراً وليس آخراً، عالمنا يتغير بسرعة وصورة تفوق إدراكنا، وهنا تكمن أيضاً المشكلة، لأن الكل ليس قادراً على استيعاب كل هذا الجديد، الذي سيجعل كل ما نعرفه عن شكل الحياة والمجتمعات على هذا الكوكب، أشياء تنتمي فقط للماضي البعيد، ونتندر عليها! 


لذا علينا الاستعداد لهذا العالم الجديد الذي يتشكل الآن ونكون طرفاً فاعلاً وليس مفعولاً به!

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء