«مصر والنيل بين التاريخ والفلكلور».. أبو الهول حارس الأرض والنيل
لم يكن المؤلف عمرو عبدالعزيز منير يسعى في كتابه «مصر والنيل بين التاريخ والفلكلور» إلى تقديم تفسير أثري جديد لتمثال أبي الهول، بقدر ما كان يفتّش في تلك المساحة التي يتقاطع فيها الخيال الشعبي مع الرمز التاريخي.
وفي تلك الطبقات السردية التي علقت بالتمثال عبر قرون من الحكايات والروايات الشفوية، إذ بدا أن المؤلف يتعامل مع أبي الهول لا كقطعة حجرية صامتة في هضبة الجيزة، بل ككائن ثقافي حي، صنعته المخيلة الشعبية مثلما أبدعه البنّاء القديم، وكأن التمثال يعيش منذ آلاف السنين بين التاريخ والأسطورة، وكل جيل يضيف إليه حكايةً جديدة.
أبو الهول حارس الأرض والنيل
يبدأ المؤلف رحلته من فكرة أن الروايات الشعبية حول آثار مصر لا تقل أهمية عن التفسيرات العلمية التي يقدمها علم المصريات، فبينما يواصل الباحثون دراسة التمثال بأدوات التحليل المادي والأثري، ظل الناس عبر العصور ينسجون حوله قصصًا أخرى، قصصًا نابعة من حاجتهم الفطرية إلى الفهم وإلى منح المعنى لما يقفون أمامه، هكذا صنّف الكتاب مكانة تمثال أبي الهول ضمن هذا التراكم الهائل من الفولكلور الشعبي، الذي عطّر تاريخ الآثار القديمة بألوان من التأويلات التي غالبًا ما تبتعد عن التفسير العلمي الصارم، لكنها تكشف الكثير عن تصور المصريين للعالم، وعن دور الأسطورة في تفسير ما استعصى عليهم فهمه.
ومن بين هذه الروايات، يتوقف المؤلف مطولًا أمام صورة أبي الهول بوصفه «حارسًا» و«طلسمًا» يحمي الأرض والنيل، حيث كانت الذاكرة الشعبية تراه درعًا قائمًا على مشارف الصحراء، يمنع الرمال من الزحف ويحرس البلاد من الشرور، هذه الوظيفة السحرية التي أُلصقت به تعكس نظرة الناس إلى التمثال ككائن ذي قوة خاصة، لا كمجرد عمل فني أو رمز ملكي.
الفجوة بين السرد الشعبي والتفسير العلمي
ثم ينقل الكتاب من مصادر متعددة كيف تعامل الفولكلور مع أبي الهول كحامٍ أبدي، تنتشر حوله هالات من القداسة لا تُفهم إلا بمزج الخوف بالأمل، والواقع بالأسطورة، أما السرديات الأكثر سحرًا، فكانت تلك المتعلقة بقدرته النبوئية، إذ يغوص المؤلف في نصوص عربية قديمة، وروايات رحّالة مروا بالجيزة قبل مئات السنين، وتركوا شهاداتهم التي تقول إن التمثال «يتنبأ» أو يحمل أسرارًا تخفيها الصحراء، وهي قصص لم يقدّم أصحابها أي تفسير علمي لها، لكنها تكشف كيف كان أبو الهول بالنسبة إليهم بوابة إلى الغيب، كأن النظر إلى عينيه الحجرية يمكن أن يفتح نافذة على ما سيأتي، فيضع المؤلف هذه الروايات في سياقها الثقافي لا بوصفها حقائق، بل باعتبارها محاولات شعبية لفهم شيء هائل لا يمكن تفسيره بسهولة.
وفي مساحة أخرى من الكتاب، أفرد المؤلف مساحةً للوجه الأكثر تداولًا في الروايات الشعبية، وهي هوية أبي الهول، هل يحمل وجه ملك معين؟ وهل هو رمز لحاكم أو بطل قديم؟.. تتعدد الإجابات الشعبية التي تناقلتها النصوص القديمة، حيث نُسب وجه التمثال إلى ملوك وشخصيات مختلفة، تبعًا لزمان ومكان الراوي، لكن هذه التفسيرات كانت تُبنى على التأمل الشخصي أو الخيال الشعبي، أكثر من اعتمادها على أدلة أثرية، لكن حضورها الدائم يؤكد أن السؤال عن هوية التمثال كان جزءًا أساسيًا من سرديته الشعبية.