«عمرو.. حيث هناك وحده».. رواية تعيد كتابة السيرة العربية بقلم إبراهيم عيسى
بجهاز تسجيل تركه يعمل لأكثر من 16 ساعة ملتقطًا فيها حواراتٍ عميقة داخل شخصية عمرو دياب، خرج الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى بروايته الجديدة التي بدأت فكرتها بأن تكون مسلسلًا تلفزيونيًا لكن بمجرد أن انتظمت الكلمات على الصفحات تحولت إلى ما يشبه العاصفة الأدبية المتجهة نحو إعادة تعريف طريقة كتابة السيرة الذاتية في العالم العربي منذ الساعات الأولى من الإعلان عنها أملًا في أن تصبح «عمرو .. حيث هناك وحده»، بذرة أول عمل أدبي يوثق حياة فنان بصياغة روائية فريدة.
مشروع استثنائي يضع الأدب أمام شكل جديد من السيرة
يقول عيسى في تصريحات صحفية إن الأمر لم يكن مخططًا له بهذا الشكل، الفكرة الأصلية كانت مسلسلًا تلفزيونيًا يرصد رحلة الهضبة عبر حلقات، لكن عمرو دياب كان أول من باغته باقتراح غير متوقع: «لنبدأ برواية»، انعكاسًا لرغبة دياب في أن يكون النص الأدبي هو القاعدة التي سيقوم عليها أي عمل لاحق، فوافق الكاتب لأنه رأى في هذا الاقتراح تقديرًا نادرًا للنص الأدبي، ولأن التاريخ الفني لشخصية بحجم عمرو دياب لا يكفيه الشكل الدرامي المباشر بل يحتاج إلى فن يروي القصة كما يجب أن تُقال.
خلال 600 صفحة تجمع بين التوثيق التاريخي والاجتماعي والفني، يتحرك إبراهيم عيسى في روايته الجديدة التي لا تنتمي إلى كتب السيرة التقليدية أو كتب الصحافة الفنية، فما أراده كان أبعد، وهو مشروع روائي كامل بشخصياته وأحداثه وتاريخه، وهو ما يعتبره «أول سيرة فنان تُكتب بصياغة روائية كاملة في الأدب العربي»، ويضيف أن كل ما كُتب سابقًا لم يكن سوى مذكرات أو شهادات أو تسجيلات صحفية، أما الآن فالقارئ أمام عمل أدبي يمزج بين الدقة والوثائقية وحرية الروائي.
ولأن الرواية تسير في خطٍّ موازٍ مع تاريخ مصر الحديث، فإن «عمرو.. حيث هناك وحده» تتحول إلى مرآة واسعة يتداخل فيها الشخصي مع العام، حيث تبدأ الرحلة من بورسعيد، حيث ولد عمرو دياب في زمن جمال عبد الناصر، داخل المدينة التي ستشهد بعد سنوات قليلة واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا مع تهجير السكان عقب حرب يونيو 1967، وهناك في تلك المساحة المعلقة بين البحر والحرب، تبدأ ملامح شخصية ستصبح لاحقًا أيقونة موسيقية عربية، وكأن لحظة التهجير الأولى صنعت بذرة الترحال الداخلي التي سترافقه نحو القاهرة.
قصة صعوده من شارع الهرم
تنتقل الرواية إلى مرحلة الشباب في عهد السادات، ثم مبارك، حيث سيجد دياب نفسه في بيئة موسيقية واجتماعية تتغير بسرعة، وتضيء الرواية على فترة الثمانينيات التي شهدت بداياته الغنائية، ومنها غناؤه في شارع الهرم بمحافظة الجيزة، تلك المساحة الشعبية التي كانت آنذاك منصة صاخبة لكل من يحاول أن يضع قدمه الأولى في طريق الشهرة، وسيظهر هذا الشاب القادم من بورسعيد، بهدوئه وبوصلته الخاصة، ليبدأ رحلةً ستستمر بلا توقف.
على أن الرواية لا تتعامل مع حياة دياب فقط بوصفها رحلة صعود فني، بل تتتبع التطور الموسيقي الذي أحدثه في العالم العربي عبر التسعينيات والألفية، وكيف تغيّرت الذائقة العربية معه، وكيف صارت موسيقاه جزءًا من التحولات الاجتماعية نفسها، فيتعامل عيسى مع الموسيقى كمساحة بحث، يفتّش فيها عن جذور الإيقاعات الجديدة التي قدّمها دياب، وعن سرّ القدرة المستمرة على التجديد، كأنما يبحث في المختبر الروائي عن الخلطة التي صنعت «الهضبة».
يُشار إلى أن هذا النوع من الكتابة، الذي يمزج الحقيقة بالتخيّل، والوقائع بالعمق الدرامي، يضع الرواية في منطقة جديدة كليًا بالنسبة للمشهد العربي، فهي ليست رواية خيالية تُستخدم فيها شخصية حقيقية، وليست سيرة ذاتية صُرفة، بل هي «بيوجرافي فيكشن» بمفهومه الأدبي الواسع، ذلك النوع الذي جعل من روايات عالمية مثل «The Paris Wife» أو «American Prometheus» أعمالًا تتجاوز السيرة إلى الأدب.