رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"رغم تعاسة حارتنا فهي لا تخلو من أشياء تستطيع؛ إذا شاءت أن تبعث السعادة في القلوب المتعبة" (من مقولات "نجيب محفوظ" بنص رواية "أولاد حارتنا").


عندما اختارت وزارة الثقافة المصرية "نجيب محفوظ" (1911: 2006م) ليكون شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026م؛ جاءت تصريحات مسؤولي المعرض بأن الاختيار تم عن قناعة راسخة بأهمية ترسيخ الهوية الوطنية المصرية، والتأكيد على قيم الانتماء والاعتزاز بالمصرية، رافق ذلك إشارة إلى أن عالمية أدب "محفوظ" ارتكزت على إغراقه في "المحلية". 


وقد عقدت في مبحث "المحلية" عند "محفوظ" العديد من الدراسات، وتواطأت في جلها - اتفاقًا - على محورية "المكان" بمعظم أعماله، وقد تجلى ذلك في عناوين كثير من رواياته تحمل في طياتها عبق الأمكنة، مثل: "القاهرة الجديدة" و"خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" و"حكايات حارتنا" و"أولاد حارتنا".. إلخ. 


وفي تنظير وزارة الثقافة لمشروع "متحف نجيب محفوظ"، بإشراف "يوسف القعيد" (ولد 1944م)؛ جاء ما نصه: "كانت الحارة هي محور كتابات محفوظ، فالحارة لدى محفوظ عالم مغلق على ذاته، مفعم بالحياة، لا يرتبط بزمان أو مكان محدد، لكن يدفعنا إلى أن نفكر في الحياة ذاتها، إن لم تكن الحارة نفسها بالنسبة لمحفوظ تمثل العالم بكل ما فيه من تجارب إنسانية"، وهو ما يوافق مجازفة "جمال الغيطاني" (1945: 2015م) بقوله: "أن الحارة عند محفوظ تحولت إلى رمز للكون" !! لكن "نبيل فاروق" (1956: 2020م) يرى: "أن الحارة في عهد "محفوظ" كانت رمزا لمصر كلها"؛ مما يبرر اختيار الأمريكي "روجر آلن" (ولد 1957م) عنوان "الحارة" في ترجمته لآخر أعمال "محفوظ"، التي ظهرت بعد وفاته؛ تعبيرا منه عن محورية "الحارة" في كتاباته.

 


وتُعد رواية "زقاق المدق" (1947م) أوضح نموذج على محورية "الحارة" في كتابات "محفوظ"، وتدور أحداثها بأربعينيات القرن المنصرم، إبان "الحرب العالمية الثانية"، واسمها مأخوذ من أحد الحارات المتفرعة من "شارع الصنادقية" بمنطقة الحسين بحي الأزهر، وترجع التسمية إلى صوت "الدق" المتواصل، الناتج عن طحن حبوب العطارة يدويا، وترى "فاطمة موسى" (1927: 2007م): "أن "زقاق المدق" الرواية الأثيرة عند عدد كبير من قراء "محفوظ"، وجدوا في شخصياتها المبتكرة المألوفة، وفي جوها المصري الصميم متعة لم تتوفر في عمل روائي قبلها، وأنها لفتت أنظار القراء إلى أهمية "محفوظ"، وبلغت به قمة الشهرة".

 


لكن "محمود أمين العالم" (1922: 2009م) فيرى: "أنها من أكثر الروايات عمقا في التعبير عن المأساة النابعة من الطبيعة الجغرافية والاجتماعية، ويتأمل الإطار الخارجي في فلسفة الرواية العميقة، في اعتمادها على التقابل والصدام بين الزقاق المحدود وبين العالم الكبير غير المحدود، ومن هذا التقابل والصدام تتحرك مأساة الرواية؛ فشخصية "حميدة" خرجت من زقاق ضيق، لتلتقي مع عالم "الحرب العالمية الثانية" بكل ما تعني من قيم ومغامرات، وعبقرية الرواية تكمن في هذا الصدام الذي يتفجر المعنى اللا أخلاقي للحرب".

 


والرواية تعطي لـ "المكان" دورا محوريا في البناء الروائي؛ فربما كان "الزقاق" هو العنصر الرئيس في الرواية؛ فشخصيات الرواية الأساسية تتحرك في فضاء علاقتها بالمكان (الزقاق أو الحارة)؛ لذا يرى "محمود قاسم" (ولد 1949م) في مقارنته بين الرواية المكتوبة والفيلم المأخوذ عنها: "أن "زقاق المدق" هي الرواية الوحيدة في أعمال نجيب محفوظ التي يبدأ فيها الحديث عن طبيعة المكان، قبل أن يوغل بنا في عالَم الشخصيات".


إذ ابتدأ حضور "المكان" (أو "زقاق المدق") كما "المسرح"، ثم توالت الأشخاص والأحداث؛ كأنما "الحارة" هنا تنوب عن "مصر الوطن" الذي جاءت أولا ثم انطلق "التاريخ" بعدها بأشخاصه وأحداثه على مسرحها المستقر منذ البداية؛ كأنما مصر هي "مسرح التاريخ"، بها ابتدأت الحياة، وربما بها ستنتهي، ولربما كان من اللائق حقيقة ومجازًا أن نقول: في البدء كانت مصر، وربما ستبقى للنهاية، ولا ينقطع ذكرها للأبد.. ربما!


وفي (1963م) تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي، بطولة الفنانة "شادية" (1931: 2017م)، وقبلها فقد سبق المسرح في تجسيد الرواية بدار الأوبرا في (1958م)، كما أعيدت التجربة حديثا في (2021م) علي مسرح محمد عبد الوهاب بالإسكندرية، في إطار استعراضي غنائي وبرؤية عصرية.
 

وقد بلغ من عالمية الرواية أن صدر فيلما سينمائيا مكسيكيا (1995م)، مأخوذا عنها باسم "زقاق المعجزات"، إخراج "خورخي فونس" (1965: 2022م)، وبطولة "سلمى حايك" (ولدت 1966م)، وهو الفيلم الأكثر حصدًا للجوائز في تاريخ المكسيك (49 جائزة دولية)، كما أنتجت السينما الإيرانية فيلم "كافيه ستار" عن الرواية أيضًا في (2006م)، بطولة الإيرانية "أفسانة بايكان" (ولدت 1962م)، وإخراج "سامان مقدم" (1969م).


ومن تجليات عالمية الرواية كذلك أنه في إحدى مرات تبادل الأنشطة الثقافية في أسابيع الصداقة المصرية الصينية، ولغرض مغازلة الوجدان الشعبي المصري لتمرير شخصية الاقتصادي الصيني لدى المستهلك المصري بثمانينيات القرن العشرين؛ عندئذ تترس الدبلوماسي الصيني بالثقافة والفنون عن طريق "نجيب محفوظ"، بوصفه ترجمانا للشخصية القومية المصرية، فوقع الاختيار على رواية "زقاق المدق" من منظور شاعر مصر الكبير "حسين السيد" (1916: 1983م)، في تلخيصه للرواية بالنسخة السينمائية في شكل نص غنائي إبداعي كون أحد أغاني الفيلم؛ فكانت أغنية "بسبوسة" من ألحان الموسيقار "محمد عبد الوهاب" (1902: 1991م)؛

 حيث إن المعلوم عن "حسين السيد" أن طريقته في كتابة "الأغنية الدرامية"، تكاد تجعله "الرائد" لهذا اللون، والأغنية الدرامية لها بداية وموضوع ونهاية كما القصة، مثل: أغنياته "فاتت جنبنا"، و"ساكن قصادي"، و"الحلوة لسة صغيرة"، و"مين قالك تسكن في حارتنا"، وغيرها.


والوجدان المصري المعاصر للأغنية بنسختها الصينية؛ ليتذكر - بكل البهجة - خفة دم المطربة "تشو مينج يانج" في أدائها للأغنية؛ لدرجة أن غالبية الشعب المصري تعرف على الأغنية من خلال المطربة الصينية والكورال الصيني المبهج، ولم يتعرف عليها من صاحبتها الأصلية "شادية"؛ ولذلك قصة طريفة !! حيث يدور الفيلم - الذي أخرجه "حسن الإمام"، وكتب السيناريو والحوار "سعد الدين وهبة" - حول "حميدة" (شادية) الفتاة اليتيمة الطامحة للثراء، تتم خطبتها لحلاق الزقاق "عباس الحلو" (صلاح قابيل) الذي يقرر السفر ليحصل على مال أكثر ليفي باحتياجات (حميدة)، بعد سفره يقوم قواد محترف "فرج" (يوسف شعبان) بإغواء "حميدة"، وبعد تورطها تنغمس في حياتها الجديدة وتنسى "عباس" وأهل الزقاق، لتجمعها الصدفة مرة أخرى بـ"عباس" الذي يقرر الانتقام.


وكان بالفيلم أغنيتين للفنانة "شادية" من كلمات "حسين السيد"، الأولى: "بسبوسة" بلحن الموسيقار "محمد عبد الوهاب"، والثانية: "نو يا جوني نو" بلحن "محمد الموجي" (1923: 1995م)، وكان من المفترض عرضهما بالفيلم، لكن المخرج "حسن الإمام" (1919: 1988م) أصر على حذف إحداها؛ فكان الاختيار من "شادية" التضحية بالأولى، وبالرغم من تصريح "نجيب محفوظ" نفسه: أن "شادية" من أكتر الممثلات اللي استطاعت تمثيل شخصيات رواياته بشكل قريب من تصوره الروائي، إلا إن قرارها بإلغاء الأغنية قد جانبه التوفيق؛ مما أغضب موسيقار الأجيال، فحجب الأغنية بما يناهز العشر سنوات، وكذا أثار دهشة "حسين السيد"؛ لقناعته أن الأغنية اختصارا إبداعيا للرواية الأصلية، وبالتالي للفيلم، وهو الأمر الذي استدركته "شادية"، فأذيعت الأغنية بالإذاعة (1972م)، بعد ترضية "عبد الوهاب"، ثم عرضت الأغنية لاحقا بفيلم "وادى الذكريات" (1981م). 


يقول مذهب الأغنية المتكرر: (بسبوسة.. بت يا دوسة شايله البسبوسة.. والله احلويتى وكبرتى وبقيتى عروسة)؛ وفيه إشارة إلى استواء جسدي أنثوي لشخصية الرواية ("دوسة" في الأغنية)، وربما أثارت أفراد الحارة بدلالها، لكن داخل إطار من تراحم أبناء الوطن (الزقاق) بها. 


فأما الكوبليه الأول: (فين لما زمان كنا بنفرش على باب حتتنا؟.. ونبيع الطيب للطيب من أهل حارتنا.. والكل حبايب ياما كانوا بيسندوا وقفتنا.. لو بص غريب على حاجه تانية غير البسبوسة)؛ وفيه تسترجع ذكرياتها في الحارة، وهي مصونة من نظرات المتطفلين ومن طمع الطامعين، بحصولها على حقوقها كاملة داخل الإطار التراحمي للوطن الأم (الزقاق).


وأما الكوبليه الثاني: (من يوم ما مشينا من الحارة طلعنا في العالي.. الخرطة بعشره جنيه وأكتر وكمان مش غالي.. والغالي يا خوفي لحلاوته تخلص في ليالي.. فتافيت السكر مابقتش تحلي البسبوسة)؛ وفيه انتقالها إلى العالم الاستهلاكي النهم في أجواء الحرب العالمية الثانية، في براح الشوارع الحديثة بنكهة الاستعمار الإنجليزي؛ مشيرة إلى أنها انتقلت إلى عالم مادي أرقى من "الزقاق" ماديا؛ لكنها تدفع ثمنا لذلك، بأن أفراد ذاك المجتمع لا يكتفي بـ"فتافيت السكر" - كناية عن الرومانسية المتمثلة في السكر، بوصف "السكر" رمزية على القبلات البريئة التي كانت تحصل عليها كطفلة مدللة وسط أهلها وناسها -؛ فالبسبوسة كانت يُكتفى منها بـ"البوسة"، أما في عالمها الجديد؛ فربما كان التهام "البسبوسة" بالكامل هو سيد الموقف الحرج.  

 
والكوبليه الثالث: (بصي يا نوسة شوفي الناس إزاى بيبصوا لنا.. الجوع في عينيهم هياكلنا يامه هياكلنا.. جبتينا ليه حلوين يامه؟ والنبى تدعى لنا.. إحنا اللي غلطنا ورخصنا سعر البسبوسة)؛ وفيه تصوير لحيوانية الحياة المدنية الجديدة لها في عالم الحانات، مع ندمها على أنها السبب في وصولها إلى التفريط في نفسها، عندما رخصت بيديها سعر البسبوسة، ومعها رخصت نفسها؛ بتقليل مقدارها حين خروجها من دارها (الزقاق).


والكوبليه الأخير: (يللا يا زباين هنشطب فين الأكيلة؟.. الشهد خلاص قرب يجبر ما بيدنا حيلة.. خلونا نروح هنا ليله بدري بس ولو ليلة.. على حته مافيش فيها زباين جعانين بسبوسة)؛ وفيه اشتياقها للرجوع إلى وطنها أو عالمها الأول (الزقاق) بعد نفاد طاقتها؛ حيث إن أهل الزقاق ليسوا دوما من راغبي "البسبوسة الحرام"؛ ففي الوطن ما يستحق الحياة، إذ أن فيه "كرامة الإنسان" !! 
 

وربما يفسر ذلك؛ انتشاء الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" (ولد 1977م) بتناوله الغذاء في مطعم يحمل اسم "نجيب محفوظ" بصحبة الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" (ولد 1954م) بالمنطقة التي تحوي "زقاق المدق"، وذلك في (إبريل 2025م)، عندما استسلم "ماكرون" لقوة "الزقاق" الناعمة؛ مستمتعا.. ربما!

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء