رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جاء منشور الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير على منصة فيسبوك في سياق لحظة سياسية حسّاسة ، إذ ارتبط بتطورات انتخابية شهدت جدلًا واسعًا حول ممارسات عدد من المرشحين المستقلين، وصورة التنافس داخل بعض الدوائر.
   

وقد اعتدنا في المشهد السياسي المصري أن تأتي رسائل الرئاسة عبر مؤسسات إعلامية تقليدية: بيانات رسمية، خطابات تلفزيونية، مؤتمرات صحفية، أو تصريحات منقولة عبر القنوات القومية، لذا يعتبر منشور الرئيس على صفحته الرسمية في فيسبوك، ”بمنطقه، ونبرة خطابه، وتوقيته” تحولًا لافتًا في لغة الدولة وأدواتها في مخاطبة المواطنين، وخاصة مع اتساع الحديث حول الانتخابات الأخيرة، وما شهدته بعض الدوائر من أحداث كثيرة حول المنافسة، والنزاهة، ومستقبل العملية الانتخابية.


منشور الرئيس لم يكن مجرد ردّ بروتوكولي أو تصريح رئاسي تقليدي؛ بل كان أقرب إلى خطاب مباشر من رأس الدولة إلى جمهور منصات التواصل، دون وسيط، ودون بروتوكول تقليدي، حيث اتخذ صيغة خطابية تستحق التوقف، لأنها — من حيث الشكل والوسيط والمحتوى — تمثل تحولًا في استراتيجية التواصل السياسي في مصر، وتكشف عن علاقة جديدة بين السلطة، الجمهور، والمنصات الرقمية.


ووفقًا لنظريات الاتصال السياسي المعاصرة، اختيار الوسيط ليس فعلًا محايدًا، بل هو جزء من الخطاب ذاته. وعليه، نشر الخطاب عبر فيسبوك — بدل الإعلام التلفزيوني الرسمي — يفتح بابًا لتحليل ثلاث فرضيات رئيسية:

أ) إعادة تموضع السلطة داخل المجال الرقمي
منذ 2015 وحتى الآن، تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي في مصر من مساحة تعبير فردي إلى مساحة قياس التوجه العام السياسي والاجتماعي ، ويعد اختيار الرئيس للنشر على الفيسبوك اعتراف رسمي بأن المعركة على الوعي العام تدارر اليوم على المنصات الرقمية لا الشاشات الرسمية .


ب) مخاطبة شريحة اجتماعية محددة
ان الدراسات الإعلامية تشير إلى أن أكثر شرائح المجتمع نشاطًا على فيسبوك في مصر هي الشباب وتتراوح أعمارهم بين (18 -44) عاما ، والأغلبية من سكان الحضر، والمهتمين بمتابعة الأحداث والقضايا سواء سياسية أو اجتماعية ، وهي نفس الفئة التي يُعول عليها في تشكيل الرأي الانتخابي وإنتاج السرديات الشعبية.


ج) الانتقال من خطاب الهرم إلى خطاب الشبكة
تفكيك الوسيط الإعلامي التقليدي: لم يعد الإعلام وحده يحتكر تقديم الرسائل السياسية أو تحليلها ، وهنا الرئيس يخاطب الجمهور دون «فلترة»، دون عناوين صحفية، ودون حسابات تحريرية ، ويعكس مستوى جديد من الشفافية اللحظية: حين يصدر الرد مبكرًا، يتراجع تأثير الشائعة، ويصبح الخطاب الرسمي هو مصدر السرد، لا مجرد رد فعل متأخر.


اصبح الخطاب تفاعلي ، مرن ، سريع ، قابل للمراجعة ، محكومة بوتيرة الواقع لا البرتوكول ، وجاء عدد التفاعلات (ما يقرب من نصف مليون إعجاب، وأكثر من 155 ألف تعليق، وما يتجاوز 77 ألف مشاركة) مما يعكس أن السوشيال ميديا لم تعد ناقلًا فقط، بل أصبحت ساحة نقاش سياسي مباشر.


تحليل الخطاب لغوياً: البنية ,المفردات ,والتناصً المؤسسي
جاءت لغة الخطاب مزج محسوب بين الديني، المؤسسي، والوطني ، فمنذ سطره الأول، اقترب الخطاب من المتلقي عبر لغة تجمع بين الطمأنينة الروحية والمصداقية الرسمية ،افتتاحية «بسم الله الرحمن الرحيم» ليست افتتاحًا بروتوكوليًا فقط، بل جزء من خطاب يرغب في بناء أرضية وجدانية مشتركة مع الجمهور.


الجملة المفتاحية كانت: "لا تتردد الهيئة في اتخاذ القرار الصحيح عند تعذر الوصول إلى الإرادة الحقيقية لناخبين" ، هذه العبارة ليست مجرد توضيح؛ إنها رسالة سياسية موجّهة تقول — بشكل غير مباشر -إن الدولة لا تُصرّ على نتيجة ثابتة مسبقة، وأن الانتخابات ليست إجراءً بروتوكوليًا وإنما مساحة تنافسية يمكن تعديل نتائجها أو حتى إلغاؤها إذا ثبت خلل جوهري.


ثم ينتقل الرئيس مباشرة إلى لغة مؤسسية قانونية: "الفصل"، "الطعن"، "الهيئة الوطنية للانتخابات"، "الإلغاء الجزئي أو الكلي" ، هذا الانتقال المدروس بين رُقيّ اللغة الدستورية ودفء اللغة الوجدانية يعكس وعيًا سياسيًا بأن الجمهور اليوم متعدد المستويات: هناك المواطن العادي، وهناك المرشح، وهناك المهتم بالشأن العام، وهناك أيضًا المراقب السياسي.


وهنا احتوى خطاب الرئيس على ثلاثة وحدات بنائية مميزة ، حيث بدأ بالافتتاح الشرعي والديني المتمثل في "بسم الله الرحمن الرحيم" ، بهدف  تأسيس شرعية معنوية قبل الخوض في الموضوع الإجرائي — وهو أسلوب مألوف في الخطاب السياسي العربي لإضفاء دلالة المسؤولية والنية السليمة ، وانتقل للإطار القانوني الإداري في مفردات مثل: “الهيئة الوطنية للانتخابات" – "التدقيق" – "الفحص" – "الطعون" – "القرار الصحيح"


تُظهر بنية خطاب مؤسسي-قانوني يعزز شرعية الحديث عبر المرجعية المؤسسية لا الشخصية. ، والمحدد الثالث تمثل في  الطمأنة والضبط السياسي، التي ظهرت في الجمل “ "حتى يتيقن من حصول كل مرشح على صورة صحيحة"، "ولا تتردد الهيئة في اتخاذ القرار"، هذه الصيغة تمزج بين الحزم والطمأنة، وتضع الرئيس في موقع الضامن لا المتدخل، وهو عنصر رمزي مهم في سياق الانتقادات الانتخابية.


كما جاء البعد السياسي للخطاب بين إدارة الشرعية واستباق الروايات، ففي نظريات علم الاتصال السياسي، يُصنف هذا النوع من الرسائل تحت ما يسمى:"الخطاب الوقائي Pre-emptive Messaging" ، أي الخطاب الذي يهدف إلى تنظيم الرواية العامة قبل أن تتشكل خارج سيطرة الدولة.
وبالفعل قام منشور الرئيس بعدة رسائل سياسية واضحة، تتمثل في منع تصاعد الشكوك حول نزاهة الانتخابات، وتوحيد الرواية قبل انتشار روايات بديلة شعبية أو خارجية، التأكيد أن الدولة ليست طرفًا منحازًا بل جهة إعادة ضبط العلاقة بين السلطة والعملية الانتخابية،  ولديها جاهزية  لضمان نزاهة الإجراءات، قدرة المؤسسات على ممارسة استقلالها الكامل، وعي الناخب بحقه السياسي، لا بواجبه، فقط لذا تعمد الرئيس عبر الخطاب تهدئة المخاوف المجتمعية وتأطير التفسير الرسمي للأحداث عبر منصة رقمية تفاعلية.


إن الخطاب لم يُوجَّه للمرشحين وحدهم، بل للرأي العام، وأيضًا للمؤسسات التي أصبحت جزءًا رساليًا من عملية تثبيت الديمقراطية الإجرائية ، كما أن التوقيت شديد الدلالة. فالخطاب جاء في لحظة تداول واسع للفيديوهات، الشكاوى، التحليلات، والتعليقات المتنوعة.


وكما أشرنا إلى أن الرد المبكر يمنع تضخم الروايات البديلة، ويخلق نافذة مشتركة لسرد رسمي واحد ، وبذلك، لا يظهر الرئيس في وضعية من يرد أو يبرر، بل في وضعية من يدير المشهد ويعيد تنظيم إيقاعه.


وردود الفعل الرقمية الواسعة، وانخراط الجمهور في النقاش، يدل على أن الخطاب فتح بابًا لمشاركة سياسية جديدة ليست محكومة بآليات نخبوية فقط، بل بوعي رقمي جمعي يتشكل عبر السوشيال ميديا.
إذا كانت الانتخابات في السابق تُقرأ عبر صناديق ومقرات ومراقبين، فإن جزءًا منها اليوم يُقرأ عبر المؤشرات الرقمية: نسب التفاعل، حجم الخطاب العام، وتطور اتجاهات الرأي ، ومنشور الرئيس لا يعكس فقط تغير وسيلة، بل تغير رؤية لطبيعة العلاقة بين الحكم والمجتمع، وبين السياسة والمجال العام.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء