رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الإسلام وأصول الحكم.. كتاب تحدى المفاهيم التقليدية للخلافة والدولة الدينية

الإسلام وأصول الحكم
الإسلام وأصول الحكم

في عام 1925، أصدر العالم الأزهري الراحل علي عبد الرازق كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم»، الذي أثار جدلاً واسعًا على المستويين الفكري والديني في ذلك الوقت، إذ جاء الكتاب في سياق تاريخي بالغ الأهمية، فبعد عام واحد من سقوط الدولة العثمانية، كان العالم العربي يعيش مرحلة من التحولات السياسية والاجتماعية العميقة، ما جعل الكاتب لا يتحدث عن مفاهيم دينية تقليدية فقط، بل يطرح فكرة جديدة حول مفهوم الخلافة وحكم الإسلام، ويجعل من هذا الطرح نقطةَ انطلاق لدعوته إلى الدولة المدنية بدلاً من الخلافة الإسلامية التقليدية.

البحث في أصل الخلافة

بدأ علي عبد الرازق كتابه بتسليط الضوء على العلاقة بين الدين والحكم، طارحًا تساؤلات جريئة حول ما إذا كانت الخلافة جزءًا من أصول الإسلام أم أنها مجرد اجتهادات بشرية، وفي الفصول الأولى، ناقش تفسيرًا للآية القرآنية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ»، موضحًا أن المقصود بأولي الأمر في هذه الآية هم كبار الصحابة وأمراء المسلمين في عهد النبي وبعده، مشيرًا إلى أن مفهوم الخلافة في هذا السياق أوسع وأشمل من التفسير الضيق الذي ساد في التاريخ الإسلامي لاحقًا، وهو بذلك يُظهر الفكرة بأن الإسلام لم يتحدث بشكل صريح عن ضرورة الخلافة، بل ركز على ضرورة الطاعة للأمر بالمعروف.

التحليل المنهجي لمفهوم الخلافة من السُنّة

في متابعة بحثه، لم يقتصر عبد الرازق على القرآن فقط، بل امتد إلى السنة النبوية، ليبحث في الأحاديث التي استخدمها العلماء لتبرير الخلافة، وفي هذا الإطار، طرح عبد الرازق تساؤلات حول صحة الأحاديث التي تدعو إلى الالتزام بالبيعة والطاعة للولي، مؤكدًا أن هذه الأحاديث تنتمي إلى سياق اجتماعي وزمني خاص، ولا تصلح لأن تكون دليلاً على فرض الخلافة كجزء من الشريعة الإسلامية. 

وعن بعض الأحاديث الشهيرة، مثل «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» و«مَنْ بَايَع إِمَامًا فَأَعْطَاه صَفْقَةَ يَدِهِ»، اعتبرها عبد الرازق مرتبطةً بالبيئة القبلية والعرف السائد في تلك الفترة، ولا تُعبّر بالضرورة عن تعاليم الدين في سياق عصري.

الدعوة إلى دولة مدنية وفصل الدين عن الحكم

في جزء آخر من الكتاب، تطرق عبد الرازق إلى فكرته الجذرية التي أثارت كثيرًا من الجدل، وهي دعوته إلى تأسيس دولة مدنية لا تعتمد على الخلافة الإسلامية، مؤكدًا على أن الشريعة الإسلامية لا ترتبط بنظام الحكم السياسي، وأن الإسلام لا يحتاج إلى الخلافة لتحقيق صلاح المسلمين، ففي رأيه، كانت الخلافة «نكبة على الإسلام والمسلمين» و«ينبوع شر وفساد»، وهو ما دفعه إلى التفسير بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن صاحب حكومة سياسية، بل كان صاحب دعوة دينية فقط، يدير شؤون المسلمين عبر مهام أوكلها للصحابة، مثل القضاء وحراسة الأموال والأرواح، دون أن يكون هو نفسه رئيس حكومة أو صاحب سلطة سياسية.

جدل ومواجهة مع الأزهر الشريف

بسبب هذه الآراء الجريئة، تعرض علي عبد الرازق لموجة من الهجوم الشديد، ففي أغسطس 1925، قررت هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف محاكمته، وجرّده من شهادته العلمية، وطردته من الأزهر، كما تم مصادرة الكتاب ومنعه من التداول، حيث اعتُبرت آراؤه تهديدًا للتراث الديني والأيديولوجيات السائدة في ذلك الوقت.

لكن بالرغم من الضغوط التي تعرض لها، ظل عبد الرازق متمسكًا بمواقفه، وظل يعتقد أن رؤيته كانت تتماشى مع الفهم الصحيح للإسلام في عصره.

موقف المفكرين من الكتاب

منذ صدور الكتاب، أثار «الإسلام وأصول الحكم» العديد من النقاشات، ومنها ما أثاره الدكتور محمد عفيفي، رئيس قسم التاريخ في جامعة القاهرة، الذي رأى أن الكتاب جاء في سياق صراع الأيديولوجيات بين القوى الدينية والليبرالية، في ظل رغبة الملك فؤاد في أن يصبح خليفة المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية. 

أما المفكر الراحل الدكتور محمد عمارة، فاعتبر أن الكتاب أحدث ضجة غير مسبوقة في العالم العربي، ولم يخرج من المطبعة كتاب أثار من المعارك الفكرية مثلما فعل «الإسلام وأصول الحكم».

وفي ردود الفعل المعاصرة، تحدث الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، عن أهمية طرح الكتاب في سياقه الزمني، حيث كان يشهد وقتها صراعًا سياسيًا حول فكرة الخلافة، مؤكدًا أن الموقف من الكتاب لا يتناسب مع وقتنا الحالي. 

أما الباحث إسلام البحيري، فعارض فكرة تراجع عبد الرازق عن كتابه، مؤكدًا أنه وافق قبل وفاته على إعادة طبع الكتاب بعد طلب من المفكر محمود أمين العالم، مما يعكس إصرار عبد الرازق على أفكاره.

رؤية الكتاب في الفكر المعاصر

اليوم وبعد مرور نحو 95 عامًا على صدور الكتاب، لا يزال يعتبر من أبرز الأعمال الفكرية التي طرحت أفكارًا جديدة حول العلاقة بين الدين والسياسة، وفي مقدمة الطبعتين الحديثتين للكتاب، التي قدمها الكاتب والباحث المصري الدكتور عمار علي حسن، تم التأكيد على أن الكتاب يعكس شجاعة فكرية ويُعد من أهم الأعمال في تاريخ الفكر العربي المعاصر. واعتبر الدكتور عمار أن الكتاب ينافس في شهرته أعمالًا فكرية أخرى، مثل «في الشعر الجاهلي» لطه حسين و«تحرير المرأة» لقاسم أمين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء