رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تصاعدت الحرب في أوكرانيا منذ بداياتها، لتصبح أحد أبرز أزمات القرن الحالي التي تلي مباشرة الصراع العربي الإسرائيلي، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل أيضا على الصعيد السياسي والدبلوماسي والأمني في أوروبا والعالم، وسط هذا الصراع المستمر، ظهرت مبادرة أمريكية ‑ روسية سرية مؤلفة من 28 نقطة تهدف إلى إيجاد تسوية شاملة للأزمة، وهي ليست مجرد خطة لوقف إطلاق النار، بل محاولة لإعادة رسم التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

أعتقد أن الخطة السرية هي محاولة لإعادة رسم التوازن الأمني في أوروبا، مع إدراك الأمريكيين لمحدودية الخيارات العسكرية المباشرة في مواجهة روسيا، ورغبتهم في وضع إطار طويل الأمد يضمن مصالحهم دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، لذلك تقود أمريكا هذه الخطة بمبعوثها الخاص، بالتعاون مع مسؤول روسي رفيع، ما يشي بجدية التنسيق ومحاولة خلق تفاهمات قد تكون نادرة بين الطرفين منذ اندلاع الحرب.

المبادرة وفق ما نشر تركز على أربعة محاور أساسية، يأتي على رأسها إحلال السلام في أوكرانيا، ليس فقط بوقف القتال، بل بإعادة انتشار القوات وربما تجميد خطوط المواجهة الحالية بطريقة تحفظ مصالح جميع الأطراف.

ثانيا، تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا، وهو محور بالغ الحساسية، لأنه يضع الولايات المتحدة وأوروبا في موقع الالتزام تجاه حماية كييف من أي عدوان مستقبلي، لكنه يتطلب توافقا داخليا أوكرانيًا وأوروبيًا لضمان شرعية هذه الضمانات

ثالثا، إعادة ترتيب الأمن الأوروبي، بما يخلق إطارا جديدًا لتوازن القوى، يسمح لروسيا بتحقيق نوع من المكاسب الأمنية دون تهديد مباشر لدول الجوار، ويضع أوروبا أمام واقع استراتيجي أكثر استقرارا.

رابعا، مستقبل العلاقات الأمريكية الروسية الأوكرانية، إذ تسعى الخطة إلى إيجاد آليات تعاون دبلوماسي واقتصادي بعد إنهاء القتال، وهو ما يعكس نظرة أمريكية طويلة الأمد لإدارة النفوذ الروسي بطريقة غير تصادمية.

ورغم الطموح الواضح للخطة، تظل التحديات هائلة، الملف الأكثر حساسية هو الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا، عدم وضوح موقف الخطة تجاه هذه المناطق يجعل أوكرانيا في موقف حرج بين الحفاظ على سيادتها وتحقيق تسوية توقف الحرب، أي تنازل إقليمي من كييف قد يثير رفضا داخليا شديدا، وقد ينعكس على الموقف الأوروبي أيضًا، أما موسكو، فبينما تظهر إشارات تفاؤل ضمني، فإن تصريحات مسؤوليها تعكس تحفظا وعدم استعداد للالتزام الكامل حتى الآن، وهو ما يزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ عمليا.

يمكن تصور سيناريوهات متعددة لمستقبل هذه الخطة، السيناريو الأكثر تفاؤلا هو قبول موسكو وكييف ببنود الخطة كما هي، مع تنفيذ فعلي للضمانات الأمنية وإعادة انتشار القوات، ما يؤدي إلى استقرار نسبي وأمن طويل الأمد لأوكرانيا وأوروبا.

السيناريو الثاني يتسم بالتعثر في التنفيذ، حيث تقبل الخطة مبدئيا، لكن بدون آليات رادعة، ما يؤدي إلى تهدئة مؤقتة واستمرار توترات محتملة.

السيناريو الثالث هو فشل الخطة، نتيجة رفض أوكرانيا أو غياب التزامات روسية حقيقية، ما يحافظ على حالة الصراع ويعيد الأطراف إلى مربع التفاوض المجهد والضغوط الاقتصادية والسياسية المتبادلة، وهناك أيضا احتمال أن تتحول الخطة إلى إطار تفاوضي دولي مستمر، يوفر منصة لمراجعة البنود وتحسينها تدريجيًا دون تحقيق سلام كامل فورًا، لكنه يقلل من خطر التصعيد.

إلا أنه لا يمكن أن نغفل المنظور الأوروبي، خاصة أن الخطة الأمريكية الروسية تشكل تحديا دبلوماسيا معقدا، فالاتحاد الأوروبي ودوله الكبرى يراقبون التطورات بحذر شديد، إذ يسعون للحفاظ على توازن مصالحهم بين دعم أوكرانيا سياسيا وعسكريا وبين تفادي تصعيد مباشر مع روسيا يهدد أمن القارة. الرؤية الأوروبية تميل إلى اعتبار أي تسوية يجب أن تحترم سيادة أوكرانيا بشكل كامل، مع ضمانات واضحة وملزمة، وأن تكون هناك آليات مراقبة دولية فعالة لضمان التنفيذ على الأرض

الأوروبيون يرون في الخطة فرصة لتخفيف التوترات وتحقيق استقرار نسبي، لكنهم يحذرون من أن أي تنازلات غير محسوبة أو غموض في الضمانات الأمنية قد يضعف موقفهم الاستراتيجي ويهدد الأمن الإقليمي على المدى المتوسط، كما أن أوروبا ترى أن نجاح أي خطة يعتمد على قدرتها على الجمع بين الالتزامات الأمريكية والدور الروسي في نفس الوقت، مع الحفاظ على دور الحلفاء الأوروبيين في أي ترتيب أمني مستقبلي، بحيث لا تصبح أوروبا مجرد مراقب ثانوي بل شريك فاعل في صياغة الاستقرار.

وأعتقد أن هذه الخطة تمثل فرصة دبلوماسية نادرة، لكنها محفوفة بالمخاطر، نجاحها يعتمد على مرونة موسكو، وقبول أوكرانيا بالضمانات الأمنية، وقدرة الولايات المتحدة على ضمان تنفيذ البنود عمليا، الفشل قد يحولها إلى أداة تفاوضية أكثر من كونها وسيلة لتحقيق سلام دائم، إذا نجحت، ستعيد ترتيب النفوذ في أوروبا، وتضع الولايات المتحدة في موقع وسيط استراتيجي محوري، وتمنح أوكرانيا حماية غير تقليدية، بينما تمنح روسيا مكاسب أمنية ودبلوماسية جزئية دون مواجهة عسكرية مفتوحة.

وهذا يجعلنا لا ننكر أن هذه المبادرة تتسم بالشمولية فهي تجمع بين البعد العسكري والدبلوماسي والأمني، وتعكس إدراكا أمريكيا بأن الحلول قصيرة المدى لم تعد كافية، وأن أي تسوية حقيقية في أوكرانيا تتطلب رؤية طويلة المدى تشمل جميع الأطراف المعنية وتوازن مصالحهم بشكل دقيق، الخطة تمثل اختبارا حقيقيا للدبلوماسية الأمريكية والمرونة الروسية، ولقدرة أوكرانيا على إدارة تنازلات استراتيجية دون التفريط في سيادتها الأساسية.

إذا نجحت هذه الخطة فعليا، فإنها قد تكون نقطة تحول مهمة في الصراع الأوكراني، لأنها تعرض مقاربة منسقة بين الولايات المتحدة وروسيا قد تعيد رسم الأوضاع الأمنية في أوروبا وتفتح مسارات دبلوماسية جديدة بين كييف وموسكو، ومع ذلك، النجاح ليس مضمونا: رفض أوكرانيا أو أوروبا لها، أو تمسك موسكو بمطالب إقليمية أكبر، أو عدم وضوح الضمانات، كلها عوامل قد تجعل الخطة مجرد اقتراح تراجيدي دون تأثير حقيقي على أرض المعركة.

وفي تقديري الخطة المزعومة من 28 نقطة تمثل محاولة طموحة لجمع الأوراق الدبلوماسية الكبيرة: إنهاء الحرب، ضمان أمن أوكرانيا، إعادة ترتيب أمن أوروبا، وتطبيع العلاقات الأمريكية ‑ الروسية، لكنها في الوقت نفسه محفوفة بالمخاطر والشكوك، لأنها تعتمد كثيرا على التزامات غير مثبتة حتى الآن، وتحتاج قبولا من كييف وشركائها الأوروبيين ليتم تنفيذها فعليا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء