أعادت دراسة تركية، نشرت عام 2017، التأكيد على أن القوة الإعلامية لتنظيم داعش كانت المحرك الأبرز في استقطاب الشباب المتطرف، الذين غادروا أوطانهم إلى سوريا والعراق بين عامي 2013 و2016.
فقد أوضحت الدراسة أن 75% من هؤلاء الشباب انضموا إلى تنظيم داعش، بينما التحق 25% فقط بتنظيمات أخرى.
وأرجعت الدراسة هذا التفاوت الكبير إلى النفوذ الإعلامي الواسع للتنظيم عبر الإنترنت، من مجلات رقمية ومقاطع مرئية ومسموعة عكست خطابه الدعائي والإفتائي بشكل مدروس ومغر.
وهذا أمر أقره كثيرون، وأثبته الواقع وشهادات العائدين من هذا التنظيم، الذين أكد معظمهم أنهم انضموا إلى التنظيم مخدوعين بخطابه الإعلامي الذي شاهدوه على هواتفهم المحمولة.
كما أن هذا الخطاب الإعلامي لم يكن خطابا عشوائيا، بل كان أقرب إلى المسلسلات الدرامية، فهو خليط من المظلومية والتحريض و"اليوتوبيا"، خطاب ممنهج مدعوم بمقاطع صوتية وموسيقية مؤثرة، بدايته مدروسة وخاتمته كذلك، إذ يبدأ بمظلومية حتى يستعطف المشاهد، ثم يتحول إلى "دمج"، أي دمج المشاهد وتحميله المسؤولية في رفع المظلومية، كأن يقول له: "يا أخي! ماذا أنت فاعل كي ترفع الظلم عني؟ يا أخي ستُسأل عن خذلانك لي!".. وهكذا، ثم يستدرجه إلى التحريض: "قم، فاركب سيارتك أو خذ سكين مطبخك وافعل.."، ثم بعد ذلك يبدأ خطاب "اليوتوبيا" كأن يقول له: "الجنة في انتظارك" "الحور يستعدون لك".
ومن خلال هذا الخطاب، وهذه الفيديوهات ذات الصبغة الفنية، استطاع تنظيم داعش أن يربي ذئابا منفردة تنفذ عمليات فردية من تلقاء نفسها، دون أن يكون لها صلة بالتنظيم الإرهابي.
فالذئب المنفرد هو شخص لا ينتمي تنظيميا إلى الجماعات المتطرفة، لكنه تأثر بخطابها الإعلامي، وأخذ سكين مطبخه ونفذ عملية طعن، أو أخذ سيارته وارتكب جريمة دهس.
فإذا كانت التنظيمات المتطرفة استطاعت أن تستغل المقاطع المرئية هذا الاستغلال وهي على الباطل، فما بالنا لو استخدمها صانعو الدراما العربية في تشكيل خطاب مضاد ينشر الوسطية والاعتدال، وينمي قيم حب الوطن والانتماء إليه وقبول الآخر والتسامح.
فالدراما تدخل البيوت وتشاهدها العائلات؛ ومن ثم يمكن أن تؤدي دورًا توعويًا كبيرًا، إذا تم استغلالها الاستغلال الأمثل عن طريق كتابة نصوص درامية تسمو بالإنسان، وتهذب الوجدان، وتزيد وعي الشباب، وتعميق ثقافة السلام والحوار وتقبل التعددية والاختلاف، وتكبح جماح العنف والإرهاب والتوحش، وتحارب الفكر المتطرف.
ويُستشار في هذه النصوص الدرامية علماء نفس واجتماع، ومتخصصون في الجماعات المتطرفة؛ لأن المؤلف إذا أراد أن يتعرض للجماعات المتطرفة قد يكتب مسلسلا أو فيلما لمحاربة فكرة متطرفة لدى جماعة بعينها، لكن نظرًا لعدم تخصصه قد يفند فكر الجماعة التي يحاربها، لكنه في الوقت ذاته – ودون أن يدري – قد يؤكد فكر جماعة متطرفة أخرى ويدعمه، وكلنا يعلم أن الجماعات المتطرفة بينها اختلافات كثيرة، تجعلها تنشق عن بعضها بعضًا، وتدس الجواسيس بين بعضها بعضًا، بل وتقاتل بعضها بعضًا.
كما يجب أن ينتبه الكاتب إلى أن معالجة التطرف بأساليب غير مدروسة، قد تلهم بعض الشباب سلوكًا متطرفًا، فكما أن تصوير المجرم أو تاجر المخدرات على أنه ذكي وثري ويتمتع بقدرات خارقة قد يجعل بعض المراهقين يتعاطفون معه، فإن تصوير المتطرف كضحية دُفع دفعًا إلى العنف قد يؤدي إلى تبرير هذا العنف، أو الإعجاب به دون وعي.
وتستطيع الدراما أيضا أن تؤدي دورًا كبيرًا في معالجة القضايا المجتمعية الملحّة، وعلى رأسها قضية الحفاظ على المال العام، وبيان حرمته وخطورة التعدي عليه، باعتباره أكبر أثرًا من التعدي على المال الخاص.
خلاصة القول: إن مكافحة الفكر المتطرف قضية معقدة متعددة الأبعاد، ولا يمكن حصرها في الحلول الأمنية والعسكرية فقط، فالثقافة والإبداع والفن الهادف عناصر أساسية في هذه المواجهة، وإذا استغلت بالشكل الصحيح فستحقق نتائج كبيرة وسريعة في حماية المجتمعات من الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، حفظ الله شبابنا من كل سوء.