أصولها تريليون جنيه.. "إيجبتك" يفتح ملف أراضي "الوقف" في مصر
منذ ما يزيد على 14 قرنا وتحديداً مع الفتح الإسلامي لمصر عام 641م ولد في أرض الكنانة نظام فريد من نوعه تحت مسمى - الوقف الإسلامي - الذي كان في جوهره نظاما اجتماعيا متكاملا لحماية الثروة وتنمية المجتمع، فجامع عمرو بن العاص لم يكن فقط أول مسجد في إفريقيا، بل كان أيضا أول "وقف إسلامي" عرفته مصر، لتتسع الفكرة بعد ذلك ويصبح نظام الوقف أحد أهم أركان الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حتى أصبحت أراضي الوقف تزيد على الأراضى المتوارثة بشكل شرعي طبيعي بين عموم المصريين.

" الوقف " من المماليك إلى قوانين يوليو
ازدهرت الأوقاف بشكل غير مسبوق في العصور الأيوبية والمملوكية فشملت المدارس والمستشفيات والزوايا وسبل المياه، حتى أصبحت وسيلة أساسية لتأمين الخدمات العامة للناس بعيدا عن خزينة الدولة أو بعيدا عن دور الدولة الطبيعي في توفير الخدمات العامة للعموم الناس .
لكن بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري بدأ الدور يضعف تدريجيا، حتى جاء القرن العشرون ليشهد نقطة التحول الكبرى مع إصدار القانون 48 لسنة 1946 الذي نظم إدارة الوقف، ثم قرارات ما بعد ثورة يوليو 1952، والتي قضت بتسليم الأراضي الزراعية الوقفية إلى هيئة الإصلاح الزراعي، وإلغاء الوقف الأهلي (الذري) عام 1957.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت وزارة الأوقاف، ومن بعدها هيئة الأوقاف المصرية، هي الناظر الرسمي على هذه الأصول، مسؤولة عن إدارتها واستثمارها بالقطع لصالح المجتمع.
ربع مليون فدان و120 ألف شقة "وقف"
الأرقام الرسمية تكشف عن كنز حقيقي هو حجم أراضي الوقف الذي تشرف عليه هيئة الأوقاف المصرية بنحو 256 ألف فدان زراعي موثقة في "أطلس الأوقاف" و ما يقرب من 120 ألف وحدة عقارية بين سكنية وتجارية وإدارية.
وتقديرات سابقة أشارت إلى أن القيمة الإجمالية لأصول الأوقاف تتجاوز تريليون جنيه مصري، هذه الثروة الهائلة لا تقتصر على الأراضي الزراعية، بل تشمل عمارات في مواقع استراتيجية في قلب القاهرة والإسكندرية ومدن القناة والصعيد، بعضها يعود إلى عصور الخديويين والأمراء، وبعضها ما زال يدار حتى اليوم كوقف خيري أصيل يخدم الفقراء والطلبة وطلاب العلم.
الطمع في " الوقف " جريمة كل عصر
لم تسلم أراضي "الوقف" من أطماع البشر فالتقارير تشير إلى أكثر من 37 ألف حالة تعد على أملاك وزارة الأوقاف، تتراوح بين وضع اليد، والبناء المخالف، وتغيير النشاط دون إذن رسمي.
وفي الريف المصري خاصة محافظات الدلتا تحولت كثير من أراضي الوقف إلى بؤر نزاع قانوني بين واضعي اليد وهيئة الأوقاف، حيث تختلط الحيازة القديمة بالمستندات الغائبة، وتبقى الحقيقة غائمة خلف عقود البيع العرفية وقرارات التقنين العشوائية .

التاريخ: ملوك مصر يستولون على "مال الله"
ربما لا يعرف الكثيرون أن بعض أفراد الأسرة المالكة السابقة كانوا طرفا في التعدي على أراضي "الوقف" فقد كان الخديوي إسماعيل وأسرته يملكون ما يقرب من مليون فدان، أي ما يعادل خمس الأراضي الزراعية في مصر وقتها، وقد أوقف بعضها أوقافا خاصة مثل وقف الخديوي إسماعيل الذي يضم 12 ألف فدان.
لكن في عام 1948، قام الملك فاروق بضم هذا الوقف إلى أوقافه الملكية الخاصة، في خطوة أثارت ضجة كبرى آنذاك، ودفعت وزير الأوقاف الشيخ علي عبدالرازق إلى تقديم استقالته احتجاجًا على ما اعتبره "مصادرة لأموال الله".
وبعد الثورة، وصف وزير الأوقاف الأسبق الشيخ عبد المنعم النمر ما جرى من نقل ملكية أراضي الوقف إلى الإصلاح الزراعي بأنه "مذبحة للأوقاف"، معتبرا أن الهدف الحقيقي كان كسر العمود الفقري للمؤسسات الدينية والاجتماعية المستقلة.
وقف السادة البكرية الصديقية
أحد أقدم وأكبر الأوقاف العائلية في مصر، ارتبط باسم السجادة البكرية المنسوبة إلى ذرية سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
كان الوقف يجمع بين الذري والخيري، وضم أراضي وعقارات في محافظات متعددة، وخصص ريعه للمساجد والزوايا وأعمال البر.
لكن بعد إلغاء الوقف الأهلي عام 1957، تحولت ملكيته إلى المستحقين، لتبدأ سلسلة لا تنتهي من النزاعات القضائية بينهم وبين هيئة الأوقاف المصرية حول إدارة الأصول التي كانت مشتركة بين النوعين ، ومازال معظمها قائما إلى اليوم ويسعى ورثة السادة البكرية إلى استلامها دون جدوى رغم اختفاء معظمها من أرض الواقع بالتعدي والاستيلاء عليها من سماسرة الأراضي .
وقف عبد الرحيم باشا الدمرداش
خصص عبد الرحيم باشا الدمرداش ، شيخ الطريقة الدمرداشية، أرضا لبناء مستشفى الدمرداش عام 1928، مشترطا أن يقدم العلاج المجاني للفقراء من أي دين أو جنسية ، ولا يزال هذا الوقف قائما حتى اليوم ضمن جامعة عين شمس، فيما تحولت أوقافه الأهلية الأخرى إلى ملكيات خاصة بعد 1957 ، ويُعد هذا الوقف شاهدا على كيف كانت الأوقاف الخيرية ركيزة رئيسية للخدمات العامة في مصر قبل قيام الدولة الحديثة.

متى يمكن إنقاذ الأوقاف من الفوضى
مر أكثر من سبعين عاما على إلغاء نظام الوقف الأهلي وما زال ملف الأوقاف يثير جدلا واسعا بين القانونيين والمستحقين وهيئة الأوقاف، فبينما تؤكد الدولة حرصها على استرداد كل شبر من أرض الوقف، يرى كثير من الخبراء أن البيروقراطية والتشابك القانوني يعطلان هذا الهدف، وأن ملايين الجنيهات تُهدر سنويا بسبب سوء الإدارة أو النزاعات القضائية الطويلة.
الخلاصة هي أن ملف أملاك الأوقاف ليس مجرد قضية ملكية، بل قضية هوية وحقوق ، هوية ميزت مصر عن غيرها في كيفية التبرع بجزء من المال الخاص لخدمة المجتمع كله ، و"الوقف" في مصر تاريخ من العمل الإنساني والاجتماعي، وماله يعود لخدمة الفقراء وبناء المدارس، وإحياء رسالة التكافل التي قامت عليها الحضارة الإسلامية منذ قرون.