هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تشبه غيرها، لحظات تتوقف فيها عجلة الزمن كأنها تسأل القائد أمام شعبه: هل ستتقدم خطوة تصنع بها التاريخ، أم ستدع الفرصة تفلت إلى غير رجعة.
ومصر اليوم تقف تمامًا أمام تلك اللحظة الحادة الصريحة الواضحة، لحظة تستدعي الشجاعة والجرأة، وتستدعي قبل ذلك الإيمان بأن هذا الوطن يستحق الأفضل، وأن هذا الشعب الذي التف حول رئيسه في الأيام الأخيرة ليس مجرد جمهور غاضب، بل قوة تفويض صامتة تمنح الشرعية الكاملة لثورة تصحيح ثانية تعيد للدولة روحها وكرامتها.
حين قام السادات بثورته الأولى في مايو ١٩٧١ لم يكن يتحرك بدافع صراع سياسي، كان يخوض معركة وجود، معركة ضد مراكز قوى داست على إرادة الأمة وزوّرت مسار الثورة، واستباحت الدولة فوقف وحده أمام منظومة كاملة من المتجبرين وحرر مصر من قبضة من ظنوا أنهم فوق الحساب:
يومها استعاد الرئيس سلطته واستعاد الشعب دولته، وكان ذلك التحول الجريء هو الذي مهد الطريق لحرب النصر وسلام القوة.
واليوم تعود الصورة من جديد بلون مختلف لكن بروح واحدة، روح التحدي والإنقاذ الفارق أن ما جرى في بعض المؤسسات من تجاوزات وانحرافات لم يعد سرًا وما وقع من عبث في الانتخابات لم يعد قابلًا للتبرير، وما ظهر من تغوّل بعض الأشخاص لم يعد أمرًا يمكن السكوت عنه فالشعب كله رأى وسمع وشهد وانفجر غضبه المكبوت.
لكنه في اللحظة نفسها اصطف خلف الرئيس؛ لأنه أدرك أن التصحيح هذه المرة لن يأتي إلا من أعلى وأن المعركة ليست ضد أفراد بل ضد منظومة كاملة من الفساد واللامبالاة واستهانة البعض بوجدان الوطن.
هذا الالتفاف الشعبي الذي لم تشهده البلاد منذ سنوات هو رأس المال الحقيقي لأي ثورة تصحيح ثانية، وهو الدليل على أن الناس لم تفقد ثقتها إنما فقدت صبرها وأنها اليوم تعود لتمنح الرئيس تفويضًا جديدًا وتقول له بوضوح تقدم ولا تخش شيئًا نحن معك ولن نسمح لأحد بأن يعبث بالدولة بعد الآن.
السؤال الذي يفرض نفسه هل يفعلها الرئيس؟ هل يمضي في الطريق الصعب الذي اختاره السادات ذات يوم؟ هل يقتلع جذور الفساد من داخل المؤسسات لا من أطرافها؟ هل يواجه بشجاعة من ظنوا أنهم فوق القانون؟ هل يفتح النوافذ كلها ليدخل هواء جديد يعيد للدولة انضباطها وللمواطن احترامه وللقانون هيبته؟
إن اللحظة التي نعيشها ليست لحظة عادية إنها لحظة مواجهة شاملة لحظة تستلزم قرارات لا تعرف التردد ولا تقبل أنصاف الحلول فالدولة التي تُستباح إرادتها لا تستقيم والدولة التي يعبث بصندوق انتخابها تُهان والدولة التي يكذب فيها الموظف على الشعب دون حساب تتحول إلى مسرح عبث لا يليق بمصر.
ثورة التصحيح الثانية إن تحققت لن تكون عملية إدارية ولا حركة تبديل مناصب - بل هزة سياسية وأخلاقية تعيد ترتيب البيت كله من الداخل وتطرد الظل قبل أن تطرد الفاسدين وتفتح بابًا لدولة تختلف عن تلك التي عرفناها في السنوات الماضية دولة لا يخاف فيها المسؤول من الشعب بل يخاف منه كل من يتلاعب بحق الشعب.
التاريخ الآن يفتح بابه من جديد، وكما وقف السادات يومًا وحيدًا ثم تبعه الشعب كله يقف الرئيس اليوم أمام مفترق الطرق وفي خلفيته شعب كامل يقول له تقدم نحن وراءك مصر الآن تحتاج إلى قرار والقرار يحتاج إلى قائد والقائد يحتاج إلى لحظة وهذه اللحظة قد جاءت بكل ما فيها من كشف وفضح وحقائق لم يعد ممكنا تجاهلها.
ويبقى السؤال معلقًا في سماء المشهد كله، لقد بدأ الرئيس مسارات إصلاحية ثورية، فهل يكملها الرئيس؟
هل يكمل ثورة التصحيح الثانية؟
هل يكتب الفصل الإصلاحي الجديد الذي تنتظره مصر منذ سنوات؟
الإجابة ليست في الكلمات بل في الأيام القادمة، لكن المؤكد أن مصر تستحق التصحيح، وأن الشعب مستعد للتغيير، وأن التاريخ هذه المرة لن ينتظر طويلًا لمن يقتنص اللحظة ويمضي بها إلى النهاية التي تليق بهذا الوطن العظيم.