في الخطوب والأحداث الشعبوية الكبرى، يظهر اسم "الفراعنة" للإشارة إلى المصريين عموماً، في إحالة رمزية واستعارة مجازية للّقب من الحضارة المصرية القديمة، وهو اسم حاكم أو ربما سلسلة من الحكام ظهروا في الدولة الحديثة بمصر القديمة، ويعني البيت الكبير أو القصر العظيم كما فسره وترجمه المتخصصون في المصريات
واستحب الكثيرون (وأنا منهم) هذا اللقب لإطلاقه على الحضارة المصرية القديمة عموماً، كنوع من الرمز والاستعارة، وفي دوائر شتى معظمها شعبوية يظل لقب الفراعنة هو المسيطر والأكثر حضورا جماهيرياً، فلدينا "منتخب الفراعنة" و"أزياء الفراعنة" و"حكمة الفراعنة"، و"آثار الفراعنة" وغيرها من المصطلحات التي تم صكها والتعامل معها بلغة الشارع للدلالة على نسبة هذا الأمر أو غيره لأصوله المصرية القديمة.
على الجانب الآخر يبدو هذ اللقب غير مستحب لدى الأكاديميين والمتخصصين في المصريات وفي التاريخ المصري القديم، مع إصرار وحرص شديد على إطلاق مصطح "المصريين القدماء" على الحضارة القديمة بدلا من "الفراعنة"، وهو أمر مفهوم لتحديد المصطلح وضمان دقته وتعبير الصفة عن الموصوف، بالطبع هذا هو الأصح أكاديميا وعلمياً، ولكن على المستوى الشعبي، يبدو المصطلح غير مستساغ، فالطبيعة البشرية تميل إلى الدعة والاستسهال والتبسيط، وإطلاق كلمة واحدة أفضل من كلمتين
كما أن الكلمة الواحدة "الفراعنة" لا تخلو من دلالات وقوة سحرية رمزية لا تقتصر على محيطها المصري بل ربما تمتد للمحيط العربي والعالمي، ولا شك أن إطلاق كلمتين من شأنه أن ينزع عن الحضارة القديمة رمزيتها السحرية ويقصرها في كيان علمي جامد، لا يمكن التعامل والتفاعل معه في الحياة العامة وفي الأوساط الشعبية لدى السواد الأعظم من الناس.
انتبهت إلى إثارة الجدل حول المصطلحين "الفراعنة" و"المصريين القدماء"، أثناء صعود نجم تيار الإسلام السياسي، ومحاولته تهميش الهوية المصرية (بمكوناتها المتعددة) لحساب الهوية الإسلامية، ومن هنا بدأ إسقاط القصص الديني على الحالة الإصطلاحية السائدة، ليتحول فرعون إلى شخص سيء السمعة، شخص منبوذ، جبار، متكبر، متأله. ومعظمها تفسيرات قاصرة ترتكن للدعة، وتطلق الخاص على العام، وتعتبر فرعون المذكور في القصص الدينية - وهناك شكوك في أن يكون مصرياً أصلا بل ربما كان في مرحلة غزو واضمحلال - رمزاً يجب مسحه من على وجه الأرض ومن الذاكرة الجمعية والمخيلة الشعبية
وإن كان هذا غير ممكن، فعلى الأقل لا بأس من تشويه سمعته، من خلال هذا الإسقاط المخل، وامتد هذا التشويه لتصبح لإطلاق أمثل شعبية للدلالة على جبروت الفراعنة "يا فرعون إيش فرعنك، ما لقيتش حد يلمِّني".
الاعتداد بالحضارة المصرية القديمة، بالأحرى حضارة "الفراعنة"، ومن بعدها الحضارة اليونانية ثم الرومانية ثم القبطية والإسلامية هو واجب على كل مصري أصيل، والوقوف عند المصطلح ودقته وملائمته للمجال العام يحتاج مرونة يجب أن يتحلى بها الجميع، علماء مصريات ومتخصصون وغيرهم
فنحن مثلا نسمع عن حضارة بابل وحضارة الآشوريين والفينيقيين والفرس في آسيا، وحضارة الفايكنج والروم في أوروبا وحضارة المايا والأزتك في المكسكيك، وغيرها من الحضارات التي ارتكزت على إحدى سماتها الحضارية، واشتقت منها اسمها الأقرب للصيغة الشعبية البسيطة الخفيفة، سهلة التداول والانتشار، ومن ثم أتمنى رد الاعتبار للفظة الفراعنة ولقب الفراعنة وحضارة الفراعنة، كمصلح رمزي يمكن إطلاقه على حضارتنا القديمة، حتى لو كان على سبيل المجاز وليس الحقيقة أو الدقة العلمية.
أعتقد أن المصلح يكتسب قوته السحرية وقوته الدلالية من الشيوع وكثرة الاستخدام، ومن هنا يمكن للفظ واحد هو "الفراعنة" أن يعبر عن حضارة كاملة، في المخيلة الشعبية والمجال العام، بينما يستقر الاسم العلمي والأكاديمي لتلك الحضارة في المراجع والكتب والدوريات المحكمة دون تعارض أو تضارب، بل أتصور أن استخدام المصطلحين بأريحية بعيدا عن الدلالات السلبية التي حاول التيار الديني المتشدد إلصاقها باللقب، وبعيدا أيضا عن أية أفكار شوفينية يمكن أن يستدعيها لقب "الفراعنة".