بدأنا بأخلاقيات الطلاق لنبين مدى السمو الأخلاقي الذي أمر الله تعالى الأزواج أن يتبعوه عند طلاقهم، لنتفكر.. إذا كانت هذه هي أخلاق الطلاق، فما بالنا بأخلاق الزواج.
سوف نذكر الآيات القرآنية الكريمة التي بين فيها ربنا كيف يجب أن تكون العلاقة الزوجية، نبدأ بالآية الكريمة التي نكتبها على كل دعوات الأفراح.. يقول تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾) الروم.
الزواج واجتماع زوجين معاً في حياة مشتركة قد تمتد عشرات السنين، آية من آيات الله تعالى، أوجدها برحمته وعلمه وحكمته، هذه الآية عظيمة لأنه خلق الزوجين متشابهين في النفس التى تحمل الأفكار والمشاعر والأحاسيس والرغبات، ومختلفين في الأدوار، فيؤدي هذا لاحتياج كل طرف للآخر وسكنه إليه، وجعل بينهما المودة والرحمة، وهما يشملان المحبة والألفة، والحرص والإخلاص، واللطف والعطف، والحنان والرأفة والرفق، والشفقة والرقة والتسامح... كل المعاني الجميلة التي تجعل الحياة طيبة وتعين كل أطرافها على اظهار أفضل ما لديهم، وتعينهم على العبادة واعمار الأرض.
ويؤكد ربنا على هذا المعنى بقوله: (.. هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ..) 187 البقرة. من أخلاقيات الزواج أن يكون الزوجين ستر وغطا على بعض، فيرحما بعضهما البعض، ويساند كل منهما الآخر، ويشكل كل منهما حماية ووقاية للآخر من العالم الخارجي، تعبير في الرقة والجمال، تشعر فيه بمدى التصاقهما ببعض، والأنس والدفء الذي يوفره كل منهما للآخر.
وحدثنا ربنا عن المهر والشبكة، يقول تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴿٤﴾) النساء.
فرض الله تعالى عند الزواج أن يقدم الزوج مبلغاً مالياً مناسباً، كأثر من آثار عقد الزواج، ودليلاً على صدق الزوج، عطيةً يعطيها إياها عن طيب نفس لإسعادها وإشعارها بالتقدير والتكريم، يعطيها إياه دون أن ينوي استردادها، فإن طابت نفسها أن تعطيه شيئاً منه، فله أن يأخذه حلالاً طيباً، أما إن أخذه بالحيلة أو بالغصب، فإنه يأكله بالباطل ولا يهنأ به أبداً.
ونهى عن أكل أموال الزوجة وإيذائها، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴿١٩﴾) النساء.
يُحرم رب العالمين على الأزواج أخذ أموال الزوجات كلها كأنه يرث أموالها وهى كارهه ورافضه، ولا يعضلها أي يسيء إليها ويقسو عليها ويضيق عليها، من أجل أن يأخذ بعضاً من مهرها، إلا إذا أتت بفاحشة ظاهرة.
ثم يأمر رب العالمين الأزواج أن تكون معاشرتهم لزوجاتهم بكل ما هو معروف من حسن الخلق وحسن المعاملة، فبعد هذا إن كرهها لصفة فيها، فيدعوه للصبر ورؤية الصفات الأخرى التى قد يجعل الله تعالى لهم فيها خيراً كثيراً. وهذا حرص من رب العالمين على بناء الأسرة وعدم المسارعة إلى هدمها لأن استمرار المعاشرة بالمعروف لابد وأن تؤدي لخير كثير.
ودعا الزوجة التي تخاف نشوز الزوج أن تلجأ لمن يمكنه الإصلاح، يقول تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٢٨﴾) النساء.
من أخلاقيات الزواج دوام الأنس والمحبة والمشاركة، فإن وجدت الزوجة من زوجها نشوزاً أو إعراضاً، أي خروجاً عن المعاشرة بالمعروف، أو كان كثير الإعراض عنها وعن احتياجاتها، فلها أن تلجأ لمن يمكنه اصلاح هذا الوضع الخاطئ، ويحب الله تعالى الصلح، فهو خير لكل الأطراف، فلا يقال للزوجة اصبري على سوء الخُلق أوعلى الإعراض، لكن استدعي من يمكنه الإصلاح. ومما يمنع المصالحة شح النفس في الإنفاق أو في العطاء بصفة عامة، لذلك يدعو ربنا للتخلص من الشح الذي يمنع المصالحة، ويدعو للإحسان والتقوى في المعاملة، فهذه أسس أخلاقية لنجاح الحياة الزوجية.
وأيضاً عند ملاحظة الأهل حدوث الشقاق بين الزوجين فيجب أن يسارعوا لجلسة إصلاح، يقول تعالى:(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴿٣٥﴾) النساء
تبين هذه الآية الكريمة حرص رب العالمين على الأسرة ويعلمنا أخلاقيات الزواج، فعندما يرى المحيطون بالزوجين بداية شقاق وتباعد واختلاف، عليهم أن يسارعوا بالتوسط لحله، وعلى الزوجين قبول هذا التحكيم إن كانت لديهم رغبة في الإصلاح، ولإقامة العدل، فطرف من أهلها، وطرف من أهله، ممن يرتضونهم ويعلمون أنهم يريدون الإصلاح بصدق واخلاص، هؤلاء يوفق الله بينهما.
مما سبق من الآيات الكريمة يتضح لنا أن الحياة الزوجية في الإسلام تقوم على حُسن الخُلق بكل أشكاله، فالعشرة بالمعروف هى المودة المتبادلة، والرحمة عند ضعف الطرف الآخر، والحفاظ على مكانة الزوجة وتكريمها، وعدم إيذائها لأخذ مالها، وتقوم على سرعة الإستجابة للزوجة إذا خشيت من نشوز زوجها أو اعراضه، وعلى المسارعة في حل ما يظهر من شقاق بين الزوجين.
هذه بعض من أخلاقيات الحياة الزوجية بالقرآن الكريم، نستكملها إن شاء الله بالمقالة القادمة.