رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تعد المدرسة اليوم مجرد مكان للتعليم، بل بيئة اجتماعية ونفسية تتطلب من المعلم أداء أدوار متعددة تشمل التوجيه، والمتابعة، والدعم العاطفي، وإدارة السلوك، والتعامل مع متغيرات مستمرة في المناهج والتقنيات التربوية. وفي ظل هذه المتطلبات، قد يجد المعلم نفسه أمام إرهاق متراكم يتطور تدريجيًا إلى حالة من الاحتراق الوظيفي، تنعكس سلبًا على دافعيته، وتفاعله داخل الصف، وجودة أدائه التعليمي.

 

ويُعدّ الاحتراق الوظيفي لدى المعلم إحدى الظواهر التربوية والنفسية التي أخذت تتسع في السنوات الأخيرة بالتزامن مع التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم.

 

 فالمعلم اليوم يعمل داخل منظومة تعليمية تتسم بتعقّد متزايد حيث تتداخل فيها الأدوار التعليمية مع مسؤوليات إدارية وإرشادية وتواصلية، ما يجعل المهنة أكثر تطلبًا من أي وقت مضى. فالصف الدراسي لم يعد مجرد مساحة لنقل المعرفة، بل أصبح بيئة تربوية واجتماعية تتطلب من المعلم مهارات عالية في إدارة التفاعل، والتعامل مع الفروق الفردية بين الطلاب، ومواكبة التطور المستمر في المناهج والاستراتيجيات التعليمية وتقنيات التعليم..

 


ويُعدّ أيضًا من أكثر القضايا التربوية والإنسانية تعقيدًا في السياق التعليمي المعاصر، لما يترتب عليها من آثار مباشرة وغير مباشرة على جودة التعليم واستقرار البيئة المدرسية، نظرًا لما يواجهه المعلم من ضغوط مهنية متزايدة وتوقعات مرتفعة تتجاوز حدود الدور التدريسي التقليدي لتشمل مهامًا إدارية وتربوية وعاطفية تتطلّب قدرًا عاليًا من الجهد والاتزان، كما يعد أحد أكثر التحديات المهنية تعقيدًا في البيئة التربوية المعاصرة، إذ يتجلى بوصفه حالة نفسية وانفعالية متعمقة  تتشكل بفعل ضغوط مهنية طويلة الأمد، تتداخل فيها عوامل تنظيمية وشخصية وتعليمية. 

 


 وتكشف الأدبيات التربوية أن الاحتراق الوظيفي لا يظهر فجأة، بل يتشكل كتطور متدرّج لحالات الإجهاد المزمن، مؤديًا إلى انخفاض الدافعية و تراجع الفعالية المهنية، والشعور المستمر بالإرهاق الذهني والبدني. كما يترافق هذا الاحتراق مع تآكل الشعور بالإنجاز الشخصي، وضعف القدرة على التفاعل التربوي الإيجابي مع الطلاب، الأمر الذي ينعكس سلبًا على جودة العملية التعليمية بأكملها.

 


وفي ظل التحولات السريعة التي تشهدها أنظمة التعليم، بات فهم الاحتراق الوظيفي وتحليل أسبابه وعوامله، وكذلك دراسة آثاره على المعلم والبيئة المدرسية، ضرورة ملحّة لتطوير برامج تدخل فاعلة تضمن استدامة الأداء المهني وصحة المعلمين النفسية. 


ومن هنا ...تبرز أهمية التصدي لهذه الظاهرة من خلال  تطوير بيئة مدرسية داعمة تُراعي الصحة النفسية للمعلم وتقدّر جهوده، وتوفر له فرصًا حقيقية للتطوير والراحة والتوازن المهني. فالاستثمار في رفاه المعلم ليس رفاهية، بل ضرورة لضمان جودة التعليم، واستدامة الأداء، وخلق مناخ تربوي آمن وفعّال. 

 

و تبني استراتيجيات مؤسسية واضحة للحد من الاحتراق، وتعزيز ثقافة التقدير والتواصل، وتوفير برامج دعم نفسي ومهني، يشكل خطوة أساسية نحو بناء منظومة تعليمية قوية تحافظ على جوهرها الحقيقي: معلم قادر، متوازن، ومتمتع بالصحة النفسية والرضا المهني.

 

وفي النهاية، تبقى مواجهة الاحتراق الوظيفي مسؤولية مشتركة بين المعلم والمؤسسة والمجتمع، لضمان مستقبل تعليمي أكثر استدامة وإنسانية، وحماية أهم عناصر العملية التعليمية وأكثرها تأثيرًا: المعلم.وفي النهاية، تبقى مواجهة الاحتراق الوظيفي مسؤولية مشتركة بين المعلم والمؤسسة والمجتمع، لضمان مستقبل تعليمي أكثر استدامة وإنسانية، وحماية أهم عناصر العملية التعليمية وأكثرها تأثيرًا: المعلم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء