لا شك أن ردود الأفعال المتوالية منذ بيان السيد رئيس الجمهورية تعليقًا على المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب المصري تدعو للتأمل والتفكر والتدبر، بل وتشير بمنتهى الصدق إلى مشاعر عميقة الدفء اختفت كثيرًا عن الضمير الجمعي المصري في الآونة الأخيرة.
مشاعر المصريين وردود أفعالهم الفرحة إنما تفسر تفسيرًا قاطعا لا يقبل الشك أو التفلسف من بعض الذين اعتادوا مواكبة الحدث والتقلب بين النقيضين حتى بين ليلة وضحاها.
هكذا تبين أسباب عزوف معظم الناخبين عن التصويت في تلك الانتخابات وأول الأسباب لمعرفتهم مقدمًا أن النتائج محسومة... تلك المعرفة لم تكن تحتاج لنظريات سياسية أو مراكز تنبؤ وبحوث متقدمة أو متشابه ذلك...
بل أستطيع القول أن معركة القوائم اختفت تماما لأنه ببساطة لم تكن هناك منافسة. ولعلنا عندما كنا نري أن الأفضل هو الأخذ بنظام القوائم النسبية لضمان تمثيل اشمل لكل التيارات السياسية كنا ننحاز لشكل ديمقراطي يقترب إلي حد ما من تحقيق عدالة ولو كانت نسبية أو غير كافية.
فإدا انتقلنا إلي المنافسة علي المقاعد الفردية ستصدمنا وبلا شك مظاهر البذخ المالي الذي رأيناه بأعيننا في دوائر انتخابية والعجيب أن بعض تلك الدوائر في أحياء ومناطق حالة مواطنيها الاقتصادية لم تتدني إلي حالة بعض المناطق الأخرى من حيث العوز والحاجة إلي المال.
تعلمت مع أبناء جيلي في دروس التربية الوطنية أن الحرية السياسية لا يمكن أن تتحقق إلا بتحقيق الحرية الاجتماعية وأن الفقير المعدم الذي لا يجد قوت يومه من السهل جدا أن يبيع صوته مقابل مائة أو مائتي جنيها أو أكثر أيا كان المبلغ.
والواقع المرير أن هذه الأمور كانت تحدث في عهود سابقة من خلال تنظيم الإخوان المسلمين الذي يعتمد في الحصول علي تأييد الشارع في أى انتخابات علي ما يقدم من عطايا مالية واجتماعية وخدمات صحية مجانية وحصص تموينية منتظمة ودروس تقوية مجانية. ولكن الأمر انتقل بعد ذلك إلي رجال المال من مليارديرات البرلمان بنفس الأسلوب. وكما يقولون تعددت الأسباب و(النتيجة) واحدة.
نعم هي نفس المخاطر خطورة الإرهاب الديني لا تقل إطلاقا عن خطورة الإرهاب المالي. كلاهما يسعي لمصالحه وحماية أغراضه وسن ما يريد من قوانين وتشريعات تلائم ما يحقق مصالحه.. أيضا الحصانة وما أدراك ما الحصانة. ناهيك عن ازدياد النفوذ بعدما يجتمع كرسي البرلمان مع الرصيد البنكي...
الخطورة الحقيقية هي فقدان المواطن الثقة في نظامه النيابي وقدرته علي التعبير عنه وتبني سن قوانين وتشريعات تحمي مصالحه وتحسن مستواه وتحقق له ما يحتاج من أمن وضمان وكرامة وعدالة
شعور موجع أن يشعر المواطن أى مواطن أنه بلا ظهر يحميه وآنه بحاجة دائما للجوء إلي فلان بك أو فلان باشا للحصول علي حق من ابسط حقوقه سواء قبول إبن في مدرسة أو توفير سرير علاج في مستشفي أو توصيل ماسورة مياه نظيفة لبيته أو الحصول علي وظيفة لابنه الذي اتفق عليه شقا العمر في تعليمه وتخرج من الهندسة أو الصيدلة أو الإعلام أو الحقوق ولا يجد فرصة عمل..
لذلك كان نبض الشارع مع الرئيس
وكان رجل الشارع البسيط غير مصدق إن جاز التعبير أن نبضه قد وصل إلي قمة السلطة التنفيذية في مصر..
الرئيس اعلنها واضحة صحيح بأسلوبه المهذب المعتاد لكنه أرسل الرسالة التي وجدت صداها عند جموع الشعب المصري.
أعلم أن الكرة الآن في ملعب الهيئة الوطنية للانتخابات والتي أنتظر منها كمواطن مصري ليس فقط إعلان ما تم من مخالفات كما حدث بل أكاد احلم حلما أراه من وجهة نظري مشروعا.
إلغاء العملية الانتخابية بالكامل وليس فقط في بعض الدوائر علي المقعد الفردي. ومنح مهلة ستة شهور لإعادة النظر في تشريع جديد يضمن نظام انتخابي متوازن متاح فيه الفرصة لكل تيار سياسي وطني في مصر
المشاركة الفعالة يومها سنجد حشود الناخبين علي أبواب اللجان بشرط توافر إجراءات فعالة لمواجهة و محاسبة أي محاولات فرض سطوة أو ممارسة ضغوط علي المواطن الناخب مع تحديد سقف مالي لمبالغ الدعاية الانتخابية وكذلك تقديم إقرارات ذمة مالية لكل مرشح ومراجعتها بواسطة الأجهزة الرقابية المحترمة في مصر وهي أجهزة مشهود لها بالنزاهة والكفاءة أيضًا.
الرئيس منح الفرصة فهل لنا أن نحلم بخطوات تنفيذية على الأرض تعيد الأمل وتشحذ الهمم وتعيد للمواطن الشعور يقدره وأهمية صوته.
لعلنا نرى هذا الأمر وتثلج الصدور كما أثلجها بيان السيد رئيس الجمهورية.