لم تهدأ "تيارات الإسلام السياسي" شرقًا وغربًا منذ تصريحات الدكتور محمد سليم العوا، أبرز من نظروا لمفاهيم ومصطلحات "الدولة الإسلامية" في العصر الحديث، والتي هدم فيها جلَّ ما طرحوا على مدار ما يقارب المئة عام، من الأسس والأدبيات التي سطروا فيها العشرات من الكتب حول استحقاق "الأممية الأصولية" وبناء المنظومة السياسية والتشريعية لـ"الدولة الدينية" العابرة للحدود والقارات تحت مظلة "الخلافة الإسلامية"، مبينًا أن مشروع "الدولة القطرية" أو "الدولة الوطنية" بمفهومها السياسي والتشريعي لا يتعارض مع "الشريعة الإسلامية" أو خصمًا من رصيدها.
وربما عن غير قصد هدم كذلك منظر التيارات الإسلامية رواية "غربة الإسلام" والامتناع عن "تطبيق الشريعة" التي رددها لسنوات طوال أتباع التيارات الأصولية، بتنوعاتها السياسية التقليدية والتنظيمية المسلحة، فضلًا عن حديثه حول اعتماد الشريعة الإسلامية على "المرجعية العرفية" في سياقها الاجتماعي والسياسي، وأنها تعتبر ترجمة لتحقيق المنفعة والمصلحة العامة التي تعد أحد مقاصد الشريعة الإسلامية ذاتها.
ما طرحه العوا ليس جديدًا في ذاته، فقد تم طرحه من قبل في عشرات المشاريع الفكرية التي ناهضت "خرافات الإسلام السياسي" واختزاله لمفهوم "الدولة" في "أمة الخلافة" وقصر تطبيق الشريعة على إشكالية "تنفيذ الحدود"، لكنه جديد على من ظل لسنوات طوال ينظر لمصطلحات "الدولة الإسلامية" من أرضية "الجماعات الأصولية" وتيارات الإسلام السياسي، وخرج شاهرًا سيفه بأن "الإسلام هو الحل"، رغم أن التجارب التاريخية أثبتت فشل هذا المصطلح سياسيًا ودعويًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وأفرزت "الحقيقة الغائبة" من أن "الدولة المدنية" دولة العدل والقانون التي يقف الجميع أمام تشريعاتها ودستورها "هي الحل"، في ظل منحها لمختلف الطوائف والفئات أحقية ممارسة شعائرهم الدينية والسياسية، واحترام حقوق الآخرين دون تمييز عرقي أو ديني أو طائفي.
تطبيق "الشريعة الإسلامية" يكمن في تحقيق مقاصدها، من حفظ الدين، والنفس والعقل، والمال والعرض، وليس في تعليبها في قوانين ولوائح -وفق شعارات رنانة أو برامج هلامية-، أو حصرها في علانية التطبيق والتنفيذ العقابي من الجلد والرجم وقطع اليد،(والتي يصعب تطبيقها في ظل شروطها الصارمة التي وضعها الفقه الإسلامي، وتعثر توافر الشهود العدول)، فضلًا عن أن هذه المقاصد لن تتحقق إلا في ظل "دولة وطنية" قوية، قادرة على ضمانة تحقيق هذه المقاصد.
ما قاله الدكتور سليم العوا في حديثه يسوق بين سطوره فكرة "انتهاء زمن الإسلام السياسي"، في ظل واقع أفرز إفلاسًا وفشلًا جليًا في مختلف تجارب وصول الأصوليين إلى الحكم، فضلًا عن فشلهم في بناء شرعية اجتماعية تمنحهم "الشرعية السياسية"، في ظل الاعتماد على "الولاء الفكري" و"الولاء الاقتصادي" وفق مشروع "أسلمة المجتمعات" من خلال اختراق مؤسسات الدولة والسيطرة على الدوائر المجتمعية. وثمة فارق بين الحاضنة المجتمعية (الولائية) وبين الشرعية المجتمعية (برامج تملك رؤية سياسية ومجتمعية واقتصادية).
عمليًا تعرضت كيانات "الإسلام السياسي" على مدار السنوات الماضية لحالة من التفكك والتحلل، نظرًا لعدة عوامل منها: خروجها من المعادلة السياسية للحكم، في ظل دورها المؤثر في مشاريع تقسيم دول المنطقة العربية، فضلًا عن تفكيك الروابط والحواضن التعاطفية بينها وبين الدوائر المجتمعية، مما أثر على عمليات الاستقطاب الفكري والتجنيد التنظيمي، وبالتالي تعرضت لنوع من تجفيف المنابع في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية الراهنة، بالإضافة إلى الانشقاقات التي طالت عددًا من قواعدها التنظيمية نتيجة الفضائح المالية والأخلاقية، والسقوط السياسي، والتخبط الفكري، بجانب الدور الفاعل الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي في نقل وفضح حقيقة هذه الجماعات ومساهمتها في بناء الوعي تجاه مخاطر هذه المشاريع التخريبية، رغم قيامها حاليًا بدور مزدوج في إعادة تمرير السياق الفكري مرة ثانية لهذه المشاريع وفق الاستراتيجيات الجديدة التي تعتمد على الإطار الفكري في التمدد دون الإطار التنظيمي.
في الحقيقة أن "زمن الإسلام السياسي" لم ينته بعد، فقط "انتهت مرحلة الإسلام السياسي التنظيمي"، وبتنا أمام مرحلة "الإسلام السياسي الانسيابي" أو القائم على الإطار الفكري، في ظل إدراك الكثير من منظري "الإسلام السياسي" ومموليهم حقيقة فشل فكرتهم ومشروعهم الوظيفي وعدم فاعليته حاليًا في واقع أكثر وعيًا جراء "العولمة الإعلامية" التي أسقطت أوراق التوت عن عورة هذه الجماعات والتيارات التي تاجرت بالدين واستغلته لتحقيق مآلاتها ومآربها، ومن ثم يعتمدون على ما يعرف بـ"الإسلام الليبرالي" أو "الإسلام المعولم" كنوع من التطور في الوصول إلى الشريحة الأكبر من المجتمعات، في سياق بناء منظومة من التيارات الفكرية الانسيابية التي يمكنها التعاطي مع المتغيرات الراهنة على المستوى السياسي والاجتماعي والدعوي.
وبين تآكل القاعدة التنظيمية والاتجاه لمفاهيم التيارات الفكرية المرنة، يتطلب الأمر ضرورة تفعيل آلية "الأمن الفكري" لحماية الأجيال الجديدة من هذه المشاريع التي تتلون كي تحافظ على تمددها في النطاق العربي والإسلامي، وتنتزع لها مكانة، رغم مختلف الهزائم التي تحاصر مكوناتها.