رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

طه: أكثر من نصف الدول الفقيرة وربع الاقتصادات الصاعدة مهددة بأزمة ديون

عبد الرحمن طه الخبير
عبد الرحمن طه الخبير الاقتصادي

قال خبير الاقتصاد الرقمي الدكتور عبد الرحمن طه، إن خريطة المخاطر السيادية للفترة 2025–2027 تشير إلى اقتراب العالم من “منطقة هشاشة ديون” واسعة، لافتًا إلى أن تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي توضح أن نحو 53% من الدول منخفضة الدخل وحوالي 23% من اقتصادات الأسواق الصاعدة تقع حاليًا في خانة معرضة بشدة لمخاطر الديون أو بالفعل في حالة تعثر، وهو مستوى غير مسبوق منذ عقود، وتشمل هذه الدول غانا، زامبيا، إثيوبيا، سريلانكا، باكستان، تونس، إلى جانب دول أخرى تواجه تباطؤ النمو وارتفاع تكلفة خدمة الدين.

وأضاف طه في تصريحات خاصة لـ “إيجبتك” أن الدين العام العالمي من المتوقع أن يتجاوز 100 تريليون دولار في 2024، ما يعادل نحو 93–95% من الناتج العالمي، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 100% من الناتج بحلول 2030 إذا لم تنفذ إصلاحات مالية، وفي حال حدوث صدمات سلبية حادة، قد يقفز الدين إلى 115–120% من الناتج، وهو مستوى لم يشهده العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

 الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تحملت في 2023 رصيد دين خارجي قياسي بلغ 8.8 تريليون دولار

وأضاف طه أن تقرير البنك الدولي أظهر أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تحملت في 2023 رصيد دين خارجي قياسي بلغ 8.8 تريليون دولار، وسددت نحو 1.4 تريليون دولار لخدمة الدين الخارجي، منها 406 مليارات دولار فوائد، وهو أعلى مستوى لخدمة الدين خلال عشرين عامًا، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من ميزانيات هذه الدول يذهب إلى الدائنين بدل الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية.

ارتفع عدد الدول النامية التي تجاوز دينها العام 60% من الناتج إلى مستويات تاريخية

وتابع أن أخطر الدول خلال العامين المقبلين ليست فقط تلك التي أعلنت التعثر مثل سريلانكا وزامبيا وإثيوبيا وغانا، بل تشمل أيضًا مجموعة “دول الحافة” التي تنفق نسبًا متزايدة من إيراداتها على خدمة الدين، إذ تظهر بعض التقارير أن بعض الدول الفقيرة تصرف 20–30% من إيراداتها العامة على خدمة الدين الخارجي، كما ارتفع عدد الدول النامية التي تجاوز دينها العام 60% من الناتج إلى مستويات تاريخية، بينما تُصنّف 20 دولة منخفضة الدخل في إفريقيا حاليًا بأنها "في أو على حافة التعثر" مع التزامات خدمة خارجية تصل إلى 88.7 مليار دولار في 2025.

إعادة هيكلة الديون أداة مهمة لتخفيف الأزمة لكنها ليست حلًا نهائيًا

وأشار الخبير الاقتصادي إلى إن إعادة هيكلة الديون أداة مهمة لتخفيف الأزمة لكنها ليست حلًا نهائيًا، إذ تساعد على تخفيف عبء السداد مؤقتًا عبر إطالة آجال السداد أو خفض الفوائد أو تخفيض جزء من أصل الدين، مضيفًا أن التجارب في زامبيا وسريلانكا أظهرت أن بعض الدول تستمر بعد إعادة الهيكلة في إنفاق نحو ثلث إيراداتها على خدمة الدين، بينما يرى صندوق النقد أن المستوى الآمن يجب أن يكون بين 14% و23% من الإيرادات، ما يعني أن إعادة الهيكلة دون إصلاحات هي مجرد تأجيل للأزمة.

التحدي الرئيسي للحكومات هو موازنة خفض العجز وخدمة الدين مع الحفاظ على النمو الاقتصادي

وقال طه إن التحدي الرئيسي للحكومات هو موازنة خفض العجز وخدمة الدين مع الحفاظ على النمو الاقتصادي، موضحًا أن العجز المالي العالمي يتوقع أن يصل إلى نحو 5% من الناتج العالمي في 2025، وأن ضبط الدين يتطلب تقليص العجز تدريجيًا بمعدل 0.5–1 نقطة مئوية سنويًا، مضيفًا أن التقشف المفرط في الاستثمار العام والإنفاق الاجتماعي سيضعف النمو ويزيد نسبة الدين، لذلك يجب توسيع القاعدة الضريبية، مكافحة التهرب، إعادة توجيه الإنفاق بعيدًا عن الدعم غير المستهدف والرواتب المتضخمة، مع حماية التعليم والصحة والاستثمار المنتج.

وأوضح أن دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سيكون حاسمًا خلال العامين المقبلين في ثلاثة محاور:
1. توفير تمويلات ميسرة طويلة الأجل للدول منخفضة الدخل لتجنب الاقتراض التجاري قصير الأجل بفوائد مرتفعة.
2. تسريع وتبسيط آليات إطار العمل المشترك لمجموعة العشرين لإعادة هيكلة ديون الدول منخفضة الدخل.
3. دعم بناء أسواق دين محلية بالعملة الوطنية في الاقتصادات الناشئة لتقليل الاعتماد على السندات الدولارية وتقلبات الفائدة العالمية.

عدم سداد الديون في موعدها أو الدخول في تعثر غير منظم قد يؤدي إلى خروج الدول من أسواق السندات الدولية

وحذر الخبير الاقتصادي  من أن عدم سداد الديون في موعدها أو الدخول في تعثر غير منظم قد يؤدي إلى خروج الدول من أسواق السندات الدولية، انخفاض التصنيف الائتماني، ارتفاع فروق العائد، أزمات مصرفية محلية، وانهيارات في أسعار الصرف، كما شهدت دول مثل سريلانكا، لافتًا إلى أن أكثر من ثماني دول دخلت في حالة تعثر أو إعادة هيكلة كبرى بين 2020 و2024، وأن موجة جديدة قد تظهر إذا استمرت أسعار الفائدة مرتفعة واستمر انكماش الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 11% في 2024.

وفي الختام، أكد الدكتور عبد الرحمن طه أن أزمة الديون الحالية مزدوجة البعد، فهي أزمة أرقام مع دين عام عالمي يقترب من 100% من الناتج وأزمة تنموية، إذ تضطر البلدان الفقيرة لتوجيه 15–20% من إيراداتها إلى خدمة الدين بدل الاستثمار في المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، موضحًا أن الديون ليست مشكلة إذا استخدمت لتعزيز النمو، لكن الخطر يكمن في أن تتحول إلى آلة لإعادة توزيع الدخل من الجنوب إلى الشمال، ما لم تعاد صياغة منظومة الديون الدولية بطريقة أكثر عدالة وشفافية خلال السنوات القادمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء