رصاص البرد لا يعرف الهدنة.. فلسطينية تروي معاناة ما بعد حرب غزة|خاص
تجلس آية نصر، إحدى نازحات غزة، أمام خيمتها الهشة، وكأنها تجلس أمام فصل كامل من حياتها أُعيدت كتابته قسرًا، لم تكن تتخيل يومًا أن يتحول البيت الذي كان يملأه الضوء والضحكات إلى ذكرى بعيدة، وأن تصبح قطعة قماش مهترئة هي العالم الذي يجمع أسرتها، والنزوح لم يسلبهم منازلهم فقط، بل سلبهم معنى الأمان، ومعنى أن يستيقظ الإنسان وهو مطمئن إلى أن سقفًا ثابتًا يحميه، بين المطر الذي يقتحم خيامهم، والحر الذي يحاصر أنفاسهم، والظلام الذي يبتلع لياليهم، تحاول آية أن تصنع حياة من لا شيء وأن تتمسك بالأمل في زمن تكسر فيه كل شيء.
خيام متلاصقة.. وخصوصية مسلوبة بالكامل
تحكي آية نصر رحلتها داخل الخيمة مثل باقي الفلسطينيين النازحين لـ«إيجبتك» قائلة إن حياتهم داخل المخيم منهكة إلى حد لا يمكن وصفه، مؤكدة أن الخيمة المصنوعة من النايلون والقماش أصبحت المأوى الوحيد للعائلة.
وتكمل الفتاة الفلسطينية قصتها المأساوية التي تشبه الكثير من أشقائها الفلسطينيين داخل المخيمات التي أصبحت بلا روح، ولا ظل قماش يغطي ويستر فقط، مؤكدة أن الخيمة أصبحت مأوى للعائلة جميعها حيث ينامون ويطبخون فيها، وأصبحوا عالقين داخل خيمة هشة بالنسبة لهم عالم صغير قاسٍ.

تواجه آية صعوبات كثيرة، ومن الصعوبات التي تواجهها تلك الفتاة تلاصق الخيام وقربها مما يفقدها الخصوصية: «من أبرز الصعوبات التي أواجهها تلاصق الخيام بشكل كبير، وتتخللها مرابط وأحبال تعيق التحرك، بالإضافة إلى حفر الأهالي لآبار للمياه العادمة بسبب غياب الصرف الصحي، ما يجعل التنقل خطيرًا ومتعبًا».
فقدت آية الخصوصية بسبب كثافة السكان والخيام المتقاربة والمساحات المعدومة، حتى الأطفال لا يجدون مكانًا آمنًا للعب أو التحرك بأريحية، أصبح كل شيء مزدحمًا ومكشوفًا ومختنقًا للغاية.
كانت آية تتابع النشرة الجوية والمنخفض الجوي الأخير الذي اجتاح المدينة بأكملها، لكنها لم تكن تتوقع أن تُغرق المياه خيمتها البسيطة التي تحتويها وعائلتها من أول رشة مطر تنزل عليها.
أمطار تغرق الخيمة.. وبرد يعصف بالأطفال
تروي وهي متأثرة على الخيمة التي أغرقها المطر: «الخيمة لم تستطع أن تحمينا من البرد، ومرت علينا لحظة قاسية، والأطفال كانوا يرتجفون من البرد وملابسهم ابتلت من الماء، إلى أين نهرب من المطر ونحن نفترش الأرض ونلتحف السماء؟».
تواجه الفتاة الفلسطينية الصيف كأنها داخل "فرن" لا يستطيع أحد تحمله: «الصيف لا يحتمل، تصبح الخيمة كفرن مع انعدام كافة وسائل التبريد، وفي الشتاء تتحول إلى كتلة من الصقيع دون وسائل تدفئة أو ملابس وأغطية كافية»، ويعيشون يتنفسون حاسبين النفس الذي يخرج فقط، منتظرين القذيفة التي ستأتيهم أو تقلبات الطقس التي تقتلهم.

تعاني آية، مثل الكثير من الفلسطينيين، من أزمة الكهرباء التي شبه انتهت منذ السابع من أكتوبر، وحياتهم عبارة عن ظلام دامس، قائلة: «منذ السابع من أكتوبر لم نرَ كهرباء، حياتنا غارقة في الظلام الكامل، نفتقر لكل شيء؛ الكهرباء، الوقود، الغاز… كل مقومات الحياة الأساسية غائبة تمامًا».
معركة الماء والغذاء اليومية
وتنتظر آية المياه المعدومة التي لا تصل، وإن وصلت يتدافع عنها الناس، وهناك من يأخذ ومن يفقد نصيبه، فمعاناة المياه والغذاء لا تتوقفان.
وتقول: «ننتظر المياه حين تمر، ويتدافع الناس للحصول على القليل منها، قد تمرّ أيام دون نقطة ماء نظيفة، في الخيام معاناة الماء والغذاء لا تتوقف».
يعتمد أهل المخيمات على المساعدات والتكيات الخيرية بالكامل للحصول على الطعام، وتقول آية: «الحصول على الأساسيات بحد ذاته معركة يومية».
يقضون الليل في ظلام دامس، قائلة: «الليل مرهق حد الانتهاك، الظلام حالك، ولا وسيلة للإنارة أو الترفيه، ننام فقط من شدة التعب».

تحلم آية بأن تسكن في منزل، ومر الوقت وأصبح الحق المكتسب بالنسبة لأهل فلسطين حلمًا، فإن البيت الذي يحتوي على أربعة جدران وسقف يحمي من المطر وبرد الشتاء أصبح حلمًا بعدما سُلبوا من كافة حقوقهم.
اختتمت آية حديثها: «نتمنى بيتًا أن نسكن فيه، مجرد بيت يحتوي على جدران وسقف يحمينا من حر الصيف وبرد الشتاء، بيت يوفر لنا الأمان والراحة التي فقدناها».