يأخذ التداخل بين الجماعات المتشددة وشبكات الجريمة المنظمة شكل تحالفٍ براجماتي تتلاشى فيه الحدود بين الأيديولوجيا والربح، فتتغذّى التنظيمات المسلحة على اقتصاد الظلال، وتستند في بقائها إلى أنشطة إجرامية تدرّ تدفقات مالية ثابتة ومستمرة. هذا التزاوج لم يعد حالة طارئة، بل صار نموذجًا قائمًا بذاته تترسخ ملامحه في تجارب طالبان و«داعش» والجماعات الناشطة في الساحل الأفريقي، حيث تخضع الموارد والأسواق والسكان لمنظومة تهريب وجباية تتجاوز قدرة الدول الضعيفة بمؤسساتها الهشة على المواجهة.
تعتمد الجماعات المتشددة (الممكَنة جغرافياً" على منظومة ابتزاز منظم يفرض جبايات على السكان والمؤسسات والتجار، بما يشبه الضرائب القسرية أو «رسوم المرور» التي تُحصَّل عند الحواجز أو نقاط السيطرة.
وقد وثقت تقارير دولية حالات متعددة في أفغانستان والساحل تُجبى فيها ضرائب على المحاصيل والطرقات والمساعدات الإنسانية نفسها، بحيث تتحول السيطرة الإقليمية إلى مصدر مالي دائم.
إلى جانب ذلك تستغل هذه الجماعات شبكات التهريب القائمة، سواء في المخدّرات أو الذهب أو البشر أو الوقود، فتدخل كشريك قسري عبر فرض الحماية أو تحصيل نسبة من أرباح المهربين، أو بالمشاركة المباشرة في العمليات اللوجستية العابرة للحدود.
ثم تذهب الجماعات المتشددة إلى أبعد من ذلك، فتعمد إلى السيطرة على الموارد الطبيعية القابلة للتسييل السريع، من النفط والغاز في الشرق الأوسط إلى الذهب والمعادن في منطقة الساحل.
وقد شهد العالم، خلال سيطرة «داعش» على مساحة واسعة من سوريا والعراق، كيف تحوّل النفط إلى مصدر الإيراد الأكبر للتنظيم، وكيف جرى تسييل جزء من المخزون والنهب المصرفي وتجارة الآثار في أسواق موازية عابرة للقارات. كما لعبت عمليات الاختطاف مقابل الفدية دورًا بارزًا في تمويل الجماعات في الساحل وغرب أفريقيا، وهي عمليات تتغذى على هشاشة الحكومات وضعف الرقابة الحدودية ووجود سماسرة إقليميين متخصصين في غسيل أموال الفدى عبر طبقات متعددة من الوسطاء.
وتقدّم تجربة طالبان نموذجًا بارزًا لتحوّل اقتصاد العنف إلى نظام مالي موازٍ يعتمد على تكييف موارده مع تغيّر المشهد السياسي. ففي سنوات ما قبل 2022 كانت تجارة الأفيون تمثل أحد أهم مصادر الدخل في المناطق الريفية الأفغانية، وقدّرت الأمم المتحدة أن اقتصاد الأفيون شكّل في بعض السنوات ما بين 9% و14% من الناتج المحلي، أي مليارات الدولارات سنويًا. ومع قرار طالبان في 2022 بحظر زرع الخشخاش تقلّصت هذه الإيرادات، لكن الجماعة سرعان ما عوّضتها بزيادة الجباية على الأنشطة التجارية، وإخضاع المساعدات لرسوم غير رسمية، والاستفادة من شبكات تهريب الوقود والمعادن. وتشير تقارير أممية وصحفية موثقة إلى أن خسائر المزارعين بعد الحظر تجاوزت مليار دولار، ما يوضح حجم الاعتماد التاريخي على هذه الزراعة قبل أن تُنتزع كمورد رئيس من الاقتصاد المحلّي.
أما «داعش»، فقد اعتمد خلال ذروة تمدده بين 2014 و2017 على منظومة مالية مركّبة شكّل النفط فيها حجر الزاوية. وقدّرت تقارير مجموعة العمل المالي (FATF) وأبحاث البنك الدولي أن التنظيم كان يحقق إيرادات يومية تراوحت بين مئات الآلاف وملايين الدولارات من بيع النفط، إضافة إلى جباية الضرائب وفرض الجزية ونهب البنوك والموارد العامة. ومع خسارته الأراضي انكمشت هذه الموارد، لكن شبكات التهريب العابرة للدول واستغلال الفضاء الرقمي في التحويلات الصغيرة والمجزأة مكّنته من البقاء كمكوّن مالي متناثر بدلًا من كيان مركزي.
وفي الساحل الأفريقي تُبرِز التجربة التلازم العميق بين التنظيمات المسلحة والجريمة المنظمة في واحد من أكثر الممرات الدولية ازدحامًا بالتهريب.
فقد أصبحت المنطقة محورًا لمرور الكوكايين القادم من أميركا الجنوبية في طريقه إلى أوروبا، كما تنتشر فيها تجارة الذهب غير المرخصة بدرجةٍ تمسّ استقرار الاقتصادات المحلية وتُضعف قدرة الدولة على ضبط مواردها.
وتقدّر تقارير UNODC أن أنشطة التهريب في الساحل—بما يشمل المخدرات والذهب والاتجار بالبشر—تدرّ مئات الملايين من الدولارات سنويًا عبر شبكة معقدة من التنظيمات المسلحة والمهربين، تشارك فيها جماعات مرتبطة بالقاعدة و«داعش» إضافة إلى فصائل محلية. هذه العوائد الضخمة حوّلت الجماعات من مجرد كيانات عقائدية إلى «فاعلين اقتصاديين» يمتلكون موارد تضاهي أو تتجاوز موارد الدولة نفسها في بعض المناطق.
وعلى الرغم من أن التقدير الدقيق لحجم التعاملات المرتبطة بالجماعات المتشددة يظل صعبًا بطبيعة الأنشطة غير المشروعة، فإن البيانات الأممية والدولية الموثّقة تمنح صورة واضحة لاتجاهات التمويل، مؤكدةً أن هذه الجماعات ليست اللاعب الأكبر دائمًا مقارنةً بمنظمات الجريمة العالمية، لكنّها شريك أساس ومستفيد حتمي في مناطق النزاع، وتتحول أحيانًا إلى جزء أصيل من سلسلة القيمة الإجرامية.
وتوصي تحليلات متابعة لهذا الملف بضرورة الدمج بين المقاربة الأمنية التقليدية، التي تستهدف القدرات العسكرية واللوجستية للجماعات، والمقاربة الاقتصادية – الجنائية التي تقطع أوصال شبكات التهريب، وتوفر بدائل تنموية حقيقية للمجتمعات الهشة التي تتحول بفعل الفقر وغياب الدولة إلى بيئة جذابة لاقتصاد العنف.