لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا واسعا ومحوريا في الكشف عن مخالفات حدثت في انتخابات المقاعد الفردية في المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب. هذا الدور المؤثر يجعل منها فاعلا سياسيا موازيا يؤثر بشدة في المزاج العام وفي صياغة المشهد العام.
الفيديوهات المتداولة حول شراء الأصوات، وتوزيع المال والمواد الغذائية، وخلافات اللجان، جعلت التجاوزات تنتقل من نطاق التداول المحلي أو الحكي الشعبي إلى مشهد واسع يراه الجميع، وهذا زاد من غضب المواطنين ووصل إلى رئيس الجمهورية فكتب على حسابه توجيها لمراجعة هذه المخالفات حتى لو أدى ذلك إلى إلغاء نتائج الانتخابات .
أثرت هذه الوسائل في الوعي السياسي اللحظي، فالنقاشات التي دارت حول مدى نزاهة الانتخابات، مسئولية الناخب، مسؤولية المرشحين، ودور الدولة، جعلت المواطن يعيد التفكير في معنى مشاركته السياسية.
الإنترنت حول الناخب من كائن منعزل أمام صندوق الاقتراع إلى جزء من حوار عام، يرى فيه آراء متباينة، بين من يبرر الوضع الاقتصادي وبين من يدينه، بين من يرى شراء الأصوات حلا جزئيا لمشكلة الفقراء الاقتصادية , وبين من يعتبره فسادا صريحا. هذا التفاعل السريع شكل ضغطا عاما ودفع في اتجاه المطالبات بالتحقيق والتدقيق.
أسست وسائل التواصل لتجمع الرأي العام رقميا، وأعطت مساحة لمن لا صوت لهم في الإعلام التقليدي. الأصوات الغاضبة، الاتهامات، الاتهامات المضادة، شهادات مراقبين أو مواطنين، كلها ظهرت على فيسبوك وتويتر .
تعدد السرديات جعل من المستحيل احتكار تفسير ما حدث، فتعاملت الدولة مع الرواية الشعبية وهي عكس الرواية الصادرة عن جهات رسمية أو إعلامية محسوبة رسمية.
حين رأى المواطن لاحقا أن الدولة استجابت وراجعت النتائج وتدخل رئيس الجمهورية، شعر ببعض الاستعادة للثقة. لكن ذلك يعتبر خطوة بعيدة عن الشعور بالرضا العام.
فمازالت الطبقات الفقيرة تقايض الأصوات بمقابل مالي أو عيني، وهو ما يجعل الانتخابات في الواقع معركة موارد اقتصادية أو معركة بين الطبقات، فالمرشح الثري يدفع للناخب الفقير مقابل صوته، وهو في النهاية بهذه الأصوات سيحصل على السلطة التي تضاعف ثراءه .
هذا في الواقع والحقيقة، بينما قد يراها البعض معركة مبادئ . هذا التضاد كشف عمق الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وسائل التواصل لم تكن مجرد مراقِب، بل كانت محركا للرأي العام، وضاغطا سياسيا، ومرآة تكشف ما يجري، ومنصة تصوغ غضب المواطنين أو رضاهم. وفي هذه الانتخابات تحديدا، لعبت دورا في دفع الدولة نحو المراجعة، وفي فتح الباب لنقاش أوسع حول نزاهة العملية السياسية برمتها.
نعود إلى سؤالنا الجوهري : إلى أي حد يؤدي موقف الرئيس إلى تكريس الشعور بالرضا العام لدى المواطنين؟ كيف تتداخل مفردات الرضا عن النظام، عن الحكومة، وعن مؤسسات الدولة مع واقع الانتخابات، خاصة حين تأكدت ظواهر مثل الرشوة الانتخابية، أو الدفع المادي، أو توزيع كراتين غذاء؟ وهو ما لم يعد سرا بعدما صرح به الرئيس .
إن الرضا العام ليس مجرد شعور سطحي، بل تقييم شامل من المواطن تجاه النظام والدولة : هل يرى أن الحكومة تمثل مصلحته؟ هل يثق في مؤسسات الدولة أنها تعمل بشفافية وعدالة؟ وهل يشعر أن المشاركة السياسية – عبر الانتخابات – فعل يعكس إرادته الحقيقية؟ حين يكون هذا الرضا عاليا، فهو يساهم في تحقيق الاستقرار السياسي ، إذ يشعر المواطن أن النظام يستمع إليه وأن صوته ليس بلا صدى .
أما حين يكون الرضا ناقصا أو هشا، فإن أي أزمة انتخابية , مثل الطعون أو إلغاء دوائر , يمكن أن تكون صدمة , تضعف الشعور بالمشاركة، وتغذي شعور التهميش .
إن إعلان مراجعة النتائج يعني وجود خروقات، وأن إرادة الناخبين قد لا تكون عبرت بالكامل عما ينبغي أن تكون. وهذا الاعتراف يمكن أن يكون خطوة لإصلاح النظام الانتخابي ، وتعزيز الرضا عن مؤسسات مثل الهيئة الوطنية للانتخابات إذا تعاملت بجدية مع الشكاوى.
إن الرشاوى الانتخابية ليست جديدة في الكثير من الدول ، لكنها تشكل ضربة قوية لفكرة أن البرلمان يعكس تمثيلا نقيا للشعب.
حين يشتري الناخبون أصواتهم، أو يبيعونها مقابل دعم مباشر، فإن علاقة الانتخاب تتحول من إرادة سياسية إلى معاملة اقتصادية. وبهذا، يصبح التمثيل أقل تعبيرا عن قناعات المواطنين، وأكثر نتاجا لآليات الشراء والبيع.
بعض الناخبين الفقراء يشعرون أنهم لا يملكون فرصا متساوية، أو أن المشاركة الحقيقية لا تأتي إلا بهذا الثمن. وقد تكون هذه الأفعال نتاج ضعف التوعية أو القوة الشرائية، أو تغير في مفهوم المواطنة.
إن النائب الذي يفوز ليس صوت الناس الحقيقي بل صوت من دفع أكثر، أو صوت من استغل من الفقراء . وهذا يضعف الشرعية النوعية للبرلمان، حتى لو كان التمثيل العددي ظاهرا.
عندما تنتشر هذه الممارسات يتجلى صراع طبقي أو اقتصادي لأن غالبية المستفيدين من الناخبين الفقراء، الذين يفتقرون إلى شبكة أمان قوية، والذين قد يرون في التصويت فرصة لربح مادي فوري بدل شراء وعود سياسية بعيدة المنال.
وفي المقابل، يمتلك الأغنياء أو أصحاب النفوذ الموارد لتوظيف هذه الآليات لجذب أصوات، مما يعمق الفجوة بين الطبقات.
لذا يمكن القول إن الانتخابات في هذه الحالة تتحول إلى معركة اقتصادية وطبقية وهي لا تفرز الأفضل سياسيا، بل من لديه القدرة على التمويل واستخدام النفوذ لشراء الولاءات، أو على الأقل ضمان المشاركة لصالحه. لذلك فإن مجرد مراجعة ما جرى لن تكون كافية لترميم الرضا العام.
فالرضا العام ليس هدفا براجماتيا – مصلحيا - فقط، بل شرط أساسي للشرعية . ويصبح الحديث عن برلمان يمثل الشعب كلاما بلا مضمون. أما إذا تم تحويل الأزمة إلى فرصة لإصلاح حقيقي، فإن مراجعة النتائج أو إلغاء الانتخابات قد تكون خطوة معتبرة نحو استعادة قدر كبير من الرضا العام، وتعزيز معنى المواطنة، حيث لا يباع الصوت، ولا يلغى التمثيل، بل يحترم إرادة المواطن.