رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ظل عالمٍ يموج بالصراعات، لم تعد الحروب تُقاس بعدد الجبهات ولا حجم الأسلحة، بل بقدرتها على التأثير في حياة الناس اليومية، وفي مقدمتها “اللقمة”.

فليست الحروب وحدها ما تُسقط الدول، بل أحيانًا يسقطها عجزها عن تأمين لقمة الخبز، ففي زمنٍ تحوّل فيه الطعام إلى ورقة ضغط، والغذاء إلى أداة في لعبة النفوذ، تجد مصر نفسها واقفة على خطٍ دقيق بين الندرة والكفاية، بين الصمود والانكشاف، وهنا، لا تُقاس القوة بما تملكه من سلاح، بل بما تزرعه من حبوب، وما تخزّنه من أمل في صوامعها.

 

تواجه مصر اليوم، شأنها شأن معظم الدول النامية، تحديًا متصاعدًا يتمثل في تأمين غذاء مواطنيها وسط اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع الأسعار، نتيجة الحروب التي تضرب المنطقة والعالم.


منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، دخلت مصر في دوامة غير مسبوقة من الضغوط الغذائية، إذ كانت تعتمد بشكل رئيسي على روسيا وأوكرانيا في استيراد أكثر من نصف احتياجاتها من القمح.

ومع توقف الإمدادات أو ارتفاع تكلفتها، شهدت الأسواق المحلية موجات متتالية من الغلاء، دفعت الحكومة إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الزراعية والتجارية.

وجاءت أزمة البحر الأحمر في نهاية عام 2024 لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، بعدما تراجعت حركة السفن التجارية عبر قناة السويس، ما رفع تكاليف الشحن والتأمين وأثر مباشرة في أسعار الغذاء.

تدرك الدولة المصرية أن الأمن الغذائي بات قضية أمن قومي لا تقل أهمية عن المياه أو الطاقة، لذلك اتجهت إلى تنويع مصادر الاستيراد، فبدأت في استقدام القمح من الهند وفرنسا ورومانيا، بدلًا من الاعتماد على مصدرين رئيسيين.


كما توسعت في مشروعات الزراعة الصحراوية مثل “الدلتا الجديدة” و“مستقبل مصر” و“توشكى”، في محاولة لتعويض الفاقد وزيادة المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة والزيوت.


وحسب بيانات وزارة التموين، فإن الاحتياطي الاستراتيجي من القمح يكفي حاليًا ما بين خمسة إلى ستة أشهر، وهي فترة مريحة نسبيًا في ظل الأزمات الراهنة.
غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، ما تزال تصطدم بتحديات هيكلية، أبرزها محدودية الموارد المائية، وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي، وضعف منظومة التخزين والنقل الداخلي، إضافة إلى استمرار الفاقد الغذائي بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المئة قبل أن تصل المنتجات إلى المستهلك.


كما يظل الدعم الحكومي للخبز، وهو ركيزة أساسية في منظومة الأمن الغذائي، عبئًا ماليًا ضخمًا على الموازنة العامة، خاصة مع تقلبات سعر العملة.


في المقابل، يبرز توجه جديد داخل مؤسسات الدولة نحو الأمن الغذائي الذكي، الذي يعتمد على التكنولوجيا الزراعية الحديثة كالريّ بالتنقيط والزراعة الرأسية والمزارع المغلقة، ويهدف هذا التوجه إلى زيادة الإنتاجية مع ترشيد استخدام المياه وتوفير فرص عمل للشباب في قطاعات الزراعة والتغليف والتصنيع الغذائي.


إلى جانب ذلك، تعمل الدولة على تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في الصناعات الغذائية، سواء عبر الشراكات المحلية أو التوسع في التصدير إلى أفريقيا والعالم العربي.


لكن الأزمة تتجاوز الحدود المصرية، إذ لا يمكن فصل الأمن الغذائي المحلي عن الوضع الإقليمي المضطرب، فالحرب في السودان عطّلت واحدًا من أهم مصادر اللحوم والحبوب لمصر، والتوترات في البحر الأحمر تهدد ممرًا تجاريًا تعتمد عليه القاهرة في استيراد أكثر من 70% من وارداتها.


كما أن استمرار التغير المناخي في تهديد الأراضي الزراعية في دلتا النيل، من خلال ارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة ملوحة التربة وتراجع الإنتاجية، يعيد طرح سؤال مصيري حول قدرة الدولة على حماية أمنها الغذائي. 


وتتفاقم هذه التحديات مع ندرة الموارد المائية التي أصبحت أكثر حدة نتيجة محدودية حصة مصر من مياه النيل، وارتفاع الطلب على المياه مع التوسع العمراني والزراعي، إضافة إلى الضغوط الإقليمية المرتبطة بإدارة مياه النهر. 


وفي ظل الزيادة السكانية الهائلة التي تلتهم كل تقدم في الإنتاج، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن لمصر أن توازن بين موارد محدودة ومتراجعة وبين احتياجات بشرية وغذائية متنامية، خاصة في محيط إقليمي غير مستقر تتداخل فيه الأزمات المناخية والسياسية والاقتصادية؟


ورغم قتامة المشهد، فإن تجربة مصر في مواجهة الأزمات الاقتصادية والغذائية تُظهر قدرة على الصمود وإدارة المخاطر، فخلال الأعوام الثلاثة الماضية، لم تنقطع إمدادات الخبز المدعوم، واستمرت الحكومة في ضبط الأسواق رغم الضغوط العالمية.


لكن المستقبل يفرض على الدولة والمجتمع معًا التحول من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة بناء منظومة مستدامة للأمن الغذائي، قائمة على الإنتاج المحلي، وتغيير أنماط الاستهلاك، وتكامل الجهود الإقليمية. 
والدولة وحدها لا يمكنها خوض هذه المعركة دون دعم المواطن، فالأمن الغذائي يبدأ من سلوك الأفراد داخل بيوتهم، من طريقة استهلاكهم للطعام إلى اختياراتهم في الأسواق.


حيث تشير التقديرات إلى أن نسبة الفاقد من الغذاء في مصر تتجاوز 10%، خصوصًا في الخبز والخضروات والفواكه، وهو رقم يمكن خفضه كثيرًا عبر الوعي بالترشيد وعدم الإسراف في الشراء أو الإلقاء.


كما أن تفضيل المواطن للمنتج المحلي على المستورد يسهم في تقوية الاقتصاد الوطني وحماية العملة الصعبة، إلى جانب دعم المزارعين والمصنّعين المصريين.


وتبرز هنا أهمية الدور المجتمعي والأهلي في دعم الأمن الغذائي، سواء من خلال الجمعيات التي تعمل على إعادة توزيع الفائض من الطعام، أو المبادرات الشبابية التي تشجع على الزراعة المنزلية والمشروعات الصغيرة في الريف والقرى، وهذه الجهود، وإن بدت بسيطة، تشكل شبكة أمان اجتماعي واقتصادي تقلل من آثار الأزمات وتدعم استقرار المجتمع في الأوقات الصعبة.


إن تأمين رغيف الخبز لم يعد شأنًا اقتصاديًا فقط، بل مسألة بقاء واستقرار اجتماعي، وفي زمن تتداخل فيه الحروب والسياسة والمناخ في طبق الطعام، تبقى قدرة مصر على تحقيق توازن بين الاكتفاء الذاتي والانفتاح التجاري هي مفتاح أمنها الغذائي في العقود القادمة.


والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،

                                                                          

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء