«فاطمة بنت بري» و«السيد البدوي».. عن الغواية التي لم تكتمل
في كتابه "الحكومة الباطنية"، اعتبر الأستاذ الدكتور حسن الشرقاوي، أن مدينة طنطا حيث يُدفن سيدي أحمد البدوى؛ هي «مركز القطب» وحوله في شكل دائرة وعلى المسافة ذاتها، مدفونٌ خلفاء الشيخ وأتباعه على مرِّ العصور، وبالتالي فإنهم يشكلون دائرة روحية تعيش منطقة "وسط الدلتا" في رحابها، وفي عنايتها، على اعتبار أن البدوي هو سيد العالم الروحاني الباطني.
أتباع الطريقة الأحمدية البدوية شغوفون برواية تجربة "الإغواء" التي تعرَّض لها البدوي مع فاطمة بنت برِّى، وبحسب رأي الباحث الدكتور يوسف زيدان فإن لهذه القصة في رأيه أمرين، أحدهما أن البدوي حين ارتحل من مكة إلى العراق، تسلَّطت عليه امرأةٌ فاتنةٌ ذات مالٍ وجمال، هى «فاطمة بنت برِّى» التى كانت تسلب أحوال الرجال الصوفية؛ بأن تثير فيهم الغريزة الحسية، وتدفعهم إلى الخروج عن الطريق الروحي بإثارة الاشتهاء في نفوسهم، وتعذيبهم بالرغبة.
وقد تفرغت هذه المرأة للشيخ، وبذلت كل ما في وسعها لإسقاطه من دائرة الولاية، فاستعصم، وهو ما دلَّ على تمكُّنه من المقام.
ويحكي في سير الأولين وكتب بعض الصالحين عن القصة بشكل وتفاصيل مقاربه إذ أن فاطمة كانت امرأة ذات سلطان وجاه وجمال خلاب يأخذ القلوب والعقول، وفوق كل ذلك حباها الله بقوة روحية تحكمت بها في بعض الإنس والجن، وقيل إن تلك المملكة كانت بالعراق، أما سيدي البدوي فجاءته الرؤيا ورأى فيها سيدي عبدالقادرالجيلاني وسيدي أحمد الرفاعي وأمره الرفاعي في عالم الإلهام والرؤى بالذهاب إليها وردعها.
وتقول القصة إن بنت بري كانت تخضع كل واحد من الأولياء لاختبار إذا أخفق فيه تسلبه «شربته»، أي قواه الروحية.
وكان ذلك الاختبار هو مجرد المثول في حضرتها والتطلع إلي بهائها، والبادي أن كل أولياء المنطقة وعبادها رسبوا في الاختبار، الأمر الذي ضج منه الجميع.
وعندما توجه البدوي إلي ديار بنت بري، لجأ إلى عدة إجراءات وقائية حتى يتجنب مواجهتها واتبع استراتيجية الانزواء والتخفي إلى أن تمكن من سحبها إلى المرعى الذي يقيم به وأبعدها عن قصرها وعالمها، وتمكن من الانتصار عليها وجعلها تعيد «شرب» الأولياء إليهم، الذين قيل إنهم تجاوزوا الأربعين.
تقول رواية أخرى، إن بنت بري كانت من أجمل النساء وكانت درويشة، وفي يوم من الأيام كان مشايخ الصوفية الكبار (البدوي والرفاعي والدسوقي) مجتمعين في سهول ما بين النهرين في العراق، وقد علم هؤلاء أن الشيخة فاطمة قد حصلت على جرة مملوءة "بماء الحياة" من نبع الفردوس من الجنة ولكنها أرادت أن تشربها لوحدها دون أن تترك شيئا للآخرين، ولم يعجب هذا الأمر المشايخ فقرروا أن يذهب أحدهم للتفاهم مع الشيخة فاطمة وذهب الرفاعي ولكنه كان خائفًا من النظر إليها حتى لا تصيبه الفتنة، وكذلك ذهب الدسوقي بعده أيضًا ولكنه لم يفلح في إقناعها.
وهكذا لم يبق إلا السيد البدوي الذي لبس أسمالًا بالية مليئة بالقمل وجاء إلى قصرها ببغداد، و عرفته على الفور وطلب منها أن تعطيه الماء فرفضت ورفعت برقعها ولكن البدوي لم يتأثر بجمالها وصرخ قائلًا: "يا أرض ابلعيها"، فبلعتها الأرض إلى ركبتيها وعندها سألها عن الماء ولكن بدون فائدة وعندها أمر الأرض أن تبتلعها فابتلعتها إلى وسطها وفي المرة الثالثة إلى صدرها وثدييها وعندها قالت له "هل تتزوجني؟"، فطلب منها أن تمد يدها فمدتها إليه فبصق فيها فاخترقت البصقة يدها ووقعت على الأرض، وعندها قال لها "إن يدك لم تستطع أن تتحمل بصاقي فكيف ستتحملينني في الزواج؟" ولكنها استمرت في عنادها ورفضت إعطاؤه الماء الذي طلب، ولكن عند المرة الرابعة وعندما وجدت أن الأرض ابتلعتها إلى عنقها أمرت الخادمة أن تأتيها بالجرة، ولهذا فإن بنت بري على عداوة شديدة مع هذه الطوائف الثلاثة "البدوي والدسوقي والرفاعي" تهاجمهم من السماء وترميهم بالحجارة ولهذا فإن مشايخ هذه الفرق ينظرون دائمًا إلى السماء خائفين من حجارة فاطمة بنت بري.
ويقال أيضًا إن البدوي رأى في المنام سيدي أحمد الرفاعي وهو يطلب منه أن يذهب لتأديب فاطمة بنت برى، ولما التقى البدوي ببنت بري وجدها في صورة كلها فتنة وإغراء، ولما نادته محاولة استمالته وسلب حاله، قام البدوي بتمثيل دور الأخرس ثم اشتغل عندها برعى الإبل.
ورأت فاطمة الإبل وهى تظهر حنينها للبدوي وتقبل قدميه، وتسكب الدموع لديه وكان عدد هذه الإبل سبعة ألاف، وفجأة قال البدوي يا آل محمد، وما هى إلا لحظات حتى أقبل فرسان نجد والعراق كالبحر المتلاطم وعندئذ فر فرسان آل بري وصاحوا معتذرين "يا سادتنا عفوكم يسعنا و حلمكم يحملنا"، وأقبلت بنت بري على السيد البدوي تقبل قدميه وتأخذ العهد عليه وتخبره بأنها محبته وفقيرته ومريدته وعرضت عليه أن تتزوجه في الحلال ورفض.
ويقول الدكتور عامر النجار أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة قناة السويس، نائب رئيس جمعية إحياء التراث العلمي: «وجد نفسه أمام دعوة كبيرة، تحتاج منه إلى تفرُّغ كامل، والزواج قد يشغله، فاستطاع السيد البدوي أن يؤثر فيها ويحوِّلها إلى امرأة متدينة، وأخذ عليها العهد ألا تعود إلى ماضيها وغوايتها القديمة، وتابت فاطمة توبةً صادقة، وهذه هي القصة في خيوطها الحقيقية».