مصر القديمة والبدايات الأولى للمسرح.. تاريخ يسبق الإغريق
رغم شيوع الاعتقاد بأن المسرح اختراع يوناني، تكشف الدراسات والآثار اليوم حقيقة مغايرة، فالبدايات الأولى للفن المسرحي وُلدت في مصر القديمة، حيث ترك المصريون نصوصًا درامية متكاملة سبقت الإغريق بقرون.
اللوحة الشهيرة المكتشفة في إدفو، والمعروفة بـ«تمثيلية بدء الخليقة المنفية»، والمحفوظة في المتحف البريطاني، تقدم واحدًا من أوائل النصوص المسرحية في التاريخ، رغم ما لحق بها من تلف بسبب استخدامها لاحقًا في رحايا.
وقد ثبُت أنها منقولة أصلًا عن نص يعود إلى عصر الدولة القديمة، وأنها تحكي قصة الخلق وفق المذهب المنفي من خلال المعبود بتاح.
وعلى الجدران ذاتها في إدفو، يظهر نص آخر يُعد من أكمل النصوص التمثيلية المصرية: «دراما انتصار حور على ست»، المنسوب عصر تدوينه إلى البطالمة، بينما ترجع جذوره، وفق تحليل العلماء، إلى الأسرة الثالثة أو الرابعة.
كما اكتُشفت نصوص أخرى ذات طابع تمثيلي، بينها نص عثر عليه «كوبيل» في حفائر الرمسيوم عام 1896.
وتلك الشواهد مجتمعة تؤكد أن المصريين القدماء طوّروا مبكرًا فن السيناريو المسرحي وصياغة المشاهد الدرامية.
ولعل ما قاله الكاتب المصري إدوار الخراط يلخص جوهر هذا الفن: المسرح ليس طريقًا فرديًا للخلاص، بل باحة للتلاقي، وميدان للمشاركة، وتحطيم للانفصالية والوحدة.
نشأة المسرح قديمًا
يعود أصل الأداء المسرحي إلى 10 آلاف سنة قبل الميلاد، حين بدأ الإنسان بمحاكاة قوى الطبيعة التي كان يراها مسؤولة عن الجفاف والعواصف والكوارث. ومن خلال الرقص الإيمائي (البانتومايم)، بدأ يعبر عن مخاوفه ورغباته، مستخدمًا طقوسًا خاصة ترافق تقديم الأضاحي.
ومع الوقت، صار هذا الأداء طقسًا دينيًا قائمًا على الحركات والتعبيرات المصاحبة للتراتيل، فظهر أول شكل من أشكال المشهد الدرامي المعتمد على سيناريوهات تنتقل شفهيًا بين الأجيال.
فجر السلالات المصرية والبابلية
استمر هذا الشكل حتى فجر السلالات المصرية حوالي 3000 ق.م، حيث كشفت التنقيبات ورسوم المقابر والمعابد ممارسة المصريين القدماء لفنون تمثيل الأساطير, وأشهرها أسطورة انتصار «حورس» على «ست» في إطار ملحمة «إيزيس وأوزيريس», وتجسيد الآلهة بالأقنعة.
وفي بابل وسومر ظهرت عروض مشابهة، أبرزها الأسطورة السومرية «نزول إنانا إلى العالم السفلي» التي كانت تُعرض ضمن احتفالات «الأكيتو» في اعتدال الخريف.
وكانت تلك العروض تُقام في أفنية المعابد، مما يدل على أن المصريين والبابليين هم أوائل من نقلوا العرض المسرحي من الفضاءات المفتوحة إلى المعابد، في نقلة نوعية جسدت جرأة أكبر في تجسيد الشخصيات والطقوس.
المسرح اليوناني والروماني
عند اليونانيين، وخاصة في القرن السادس قبل الميلاد، بقي المسرح مرتبطًا بمحاكاة الآلهة.
وقد انقسمت العروض إلى:
• التراجيديا: كعروض الإلياذة والأوديسا التي جسدت الصراع الاجتماعي
• الكوميديا: كعروض «الديثرامب» التي مجدت الإله ديونيزوس
ثم أدخل الإغريق لاحقًا الشخصيات البشرية (الأبطال) وصراعات الخير والشر، وتطورت العروض في المسرح الروماني الذي تبنى هذه الأساليب.
المسرح في العصور الوسطى
مع هيمنة الكنيسة، اتخذ المسرح طابعًا دينيًا جديدًا، حيث قدّمت الكنائس مشاهد من الكتاب المقدس ضمن الاحتفالات السنوية، مع الاعتماد على البانتومايم والرموز الطقسية.
لكن هذا الطابع لم يدم طويلًا؛ إذ عاد المسرح لاحقًا إلى العروض الهزلية، وظهرت خلال تلك المرحلة الأوبرا التي ازدهرت في إيطاليا وانتقلت لاحقًا إلى أوروبا.
المسرح المعاصر
تحرر المسرح في القرن التاسع عشر من الهيمنة الدينية والأرسطية، فظهرت المذاهب الحديثة مثل:
الرومنسية – الرمزية – السريالية – الوجودية – المسرح الروسي (الأوتشرك).
وظهرت أساليب جديدة للعرض كـ:
•مسرح المضطهدين
• المسرح التفاعلي
•المونودراما والديودراما
كما ظهرت محاولة لكسر حدود الخشبة التقليدية والاقتراب من الجمهور، حتى وصلت العروض اليوم إلى مرحلة سينما المسرح من خلال بثّها عبر التلفزيون والمنصات.