بزنس أبلكيشن المدارس الخاصة.. تجارة فوضوية تشعل غضب أولياء الأمور
في كل عام يتكرر نفس المشهد، طوابير خفية من أولياء الأمور يمتد صبرهم على أبواب المدارس الخاصة، لكن ليس أمام لجان القبول، بل أمام "أبلكيشن" صار عنوانًا لفوضى التعليم الخاص في مصر.
بدأت الفكرة كأداة لتنظيم التقديم ومنع التكدس، لكنها تحولت تدريجيًا إلى باب خلفي لجمع الأموال بلا رقابة، ورسوم تتضاعف كل عام دون مبرر، ورفض جماعي للطلاب بعد تحصيل مبالغ لا تعاد ولا تُخصم، فيما تقف وزارة التربية والتعليم مكتوفة الأيدي أمام سوق مفتوح يرهق الأسر دون سقف أو ضابط.
فيما تتزايد شكاوى أولياء الأمور من فوضى رسوم الأبلكيشن بالمدارس الخاصة، رصدت إيجبتك حالات تعكس حجم المعاناة، حيث تقول هدى محمد، ولية أمر لطفل عمره خمس سنوات، إنها دفعت 1500 جنيه في مدرستين بحي أكتوبر، ورُفض ابنها دون أي تبرير، مؤكدة أن المدرسة الثالثة طالبتها بسداد 800 جنيه إضافية، ما جعلها «تدفع أكثر من 2000 جنيه دون أن يحضر ابنها اختبار قبول واحد».
دفع رسوم أبلكيشن في 4 مدارس
ويضيف محمود صادق، ولي أمر، أنه اضطر لدفع رسوم أبلكيشن في أربع مدارس بمدينة نصر بلغت مجتمعة نحو 4 آلاف جنيه، موضحًا أنه كان يتوقع استرداد المبالغ بعد الرفض، لكن المدارس أكدت أن «السياسة غير قابلة للمراجعة».
وتؤكد سمر السعيد، وهي موظفة وأم لطفلين، أنها فقدت أكثر من نصف راتبها الشهري بسبب رسوم التقديم في مدرستين فقط، بعد أن دفعت 2500 جنيه في مدرسة و2000 في أخرى، قبل أن تتفاجأ بأن القبول «محدود ولن يعلن إلا بعد شهور»، بينما لم يتم إجراء أي مقابلة، وتشير إلى أن المدرسة رفضت خصم المبلغ من المصروفات رغم نجاح الطفلة في الاختبار، ما دفعها لوصف الأبلكيشن بأنه «باب نزيف مالي لا مفر منه لكل أسرة تبحث عن مكان جيد لأطفالها».
أبلكيشن التقديم بالمدارس الخاصة أصبح نشاط تجاري بحت
وفي هذا السياق يحدثنا الدكتور تامر شوقي الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس قائلا: إن الهدف الأساسي من الأبلكيشن الذي تطلبه المدارس الخاصة عند التقديم كان تنظيم عملية قبول الطلاب، ومنع التزاحم، وتيسير الإجراءات على أولياء الأمور.
وتابع شوقي في تصريح خاص لـ"إيجبتك" الفكرة كانت وسيلة لضبط العملية إداريًا، لا بابًا للتربح، لكن ما حدث على أرض الواقع كان العكس تمامًا؛ إذ تحول الأمر إلى نشاط تجاري بحت، هدفه جمع أكبر قدر ممكن من الأموال من الأسر المتقدمة، رغم أن نسبة المقبولين تكون ضئيلة للغاية مقارنة بأعداد المتقدمين.
وأشار شوقي إلى أن العديد من المدارس تمادت في رفع رسوم الأبلكيشن عامًا بعد عام، دون أي معيار أو ضابط، حتى أصبح تحصيل تلك الرسوم «حقًا مكتسبًا» لدى المدارس الخاصة. وشدد على ضرورة تدخل وزارة التربية والتعليم لوضع ضوابط واضحة ومُلزِمة، تشمل:
1. تحديد قيمة المصروفات الدراسية ورسوم الأبلكيشن قبل التقديم ليكون ولي الأمر على علم بها.
2. إلزام المدارس برد رسوم الأبلكيشن في حالة عدم القبول.
3. خصم قيمة الأبلكيشن من المصروفات الدراسية للطلاب المقبولين.
وحذر من أن استمرار الفوضى الحالية سيؤدي إلى تفاقم الظاهرة خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل تفاوت الأسعار بين مدارس تقدم نفس المستوى والخدمات التعليمية.
أبلكيشن التقديم للمدارس الخاصة أصبح «باب ربح جديد»
من جهتها، قالت أميرة يونس، مؤسسة جروب «مصر والتعليم»، إن أبلكيشن التقديم للمدارس الخاصة أصبح «باب ربح جديد» تتحصل منه المدارس مبالغ طائلة دون أن يحصل ولي الأمر على أي خدمة حقيقية. وأضافت أن آلاف الطلاب يتقدمون سنويًا، بينما تحتفظ كل مدرسة بسعر «خاص» للأبلكيشن، وكأنها بضاعة تُسعّر حسب الهوى. وأكدت أن المدارس تعلم جيدًا عدد المقاعد المتاحة، لكنها تسمح بالتقدم لآلاف الطلبة بهدف تعظيم حصيلة الرسوم، بينما يُترك ولي الأمر مضطرًا للتقديم في عدة مدارس ودفع الرسوم مرة بعد أخرى.
غياب اللوائح المنظمة داخل وزارة التربية والتعليم
أما الدكتور محمد عبدالعزيز أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، فأرجع الأزمة إلى غياب اللوائح المنظمة داخل وزارة التربية والتعليم، موضحا أن الوزارة تمتلك إدارة تُسمّى «إدارة التعليم الخاص»، ويتبعها إدارات فرعية في المديريات والإدارات التعليمية، وتلك الجهات هي المسؤولة عن الرقابة، لكن غياب اللوائح الواضحة حسب قوله جعل المدارس تتصرف بلا رقيب.
واقترح أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس أن يتم:
توحيد رسوم الأبلكيشن ووضعها في لائحة مركزية.
توريد الرسوم إلكترونيًا لإدارة التعليم الخاص.
اعتبار الأبلكيشن ساريًا لأي مدرسة طالما لم يتم قبول الطالب، بحيث لا يدفع ولي الأمر الرسوم كل مرة من جديد.
وأكد أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس أن بعض المدارس وصلت رسوم الأبلكيشن فيها إلى 4 آلاف جنيه، في حين أن ولي الأمر «لا يشتري سلعة» بل يسعى لتعليم أبنائه، وهو ملف يتعلق بالأمن القومي وليس معاملة تجارية.
المدارس الخاصة تُجبر أولياء الأمور على ملء الأبلكيشن
وفي السياق ذاته، قالت منى أبو غالي، مؤسسة جروب «حوار مجتمعي تربوي»، إن المدارس الخاصة تُجبر أولياء الأمور على ملء أبلكيشن لا يقل سعره عن مئات الجنيهات، وقد يصل إلى آلاف، ويتصاعد مع ارتفاع مصروفات المدرسة، وتابعت: «هذا المبلغ لا يُرد في حالة رفض الطالب، ولا يُخصم من المصروفات في حالة القبول».
وأوضحت أن المدارس تجمع مبالغ كبيرة جدًا من تلك الرسوم سنويًا، باعتبارها حجزًا مبدئيًا، بينما القبول شيء آخر تمامًا، ويظل ولي الأمر هو الخاسر الوحيد في معادلة غير عادلة.
وأضافت أبو غالي أن استمرار الوضع بهذا الشكل يجعل الأبلكيشن أداة للربح لا للقبول، وسط غياب تام لرقيب يضمن حقوق الأسرة أو يضع حدًا للرسوم المبالغ فيها التي تختلف من مدرسة لأخرى دون منطق.