تُظهر الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة تحولًا نوعيًا في مقاربتها للصراع الدائر في غزة؛ فعلى الرغم من تبنيها خطابًا أكثر انفتاحًا على مسار تسوية سياسي، فإن جوهر التحول يتجاوز حدود اللغة الدبلوماسية نحو محاولة صياغة بنية تنفيذية ومؤسسية لإدارة الصراع.
فمنذ طرح خطة ترامب التي ركزت على ترتيبات أحادية، تتحرك الإدارة الأمريكية اليوم باتجاه توظيف مجلس الأمن كمرجعية بديلة للنهج الأحادي، عبر دفع مشروع قرار يسمح بنشر قوة استقرار دولية في القطاع، ويُعد هذا التحول انتقالًا لافتًا من دور “الوسيط” إلى الانخراط في إطار متعدد الأطراف، يعيد الاعتبار للشرعية الدولية ويضع حدودًا للقرار المنفرد.
وينص المشروع الأمريكي وفق ما تتداوله القنوات الدبلوماسية على نشر قوة قوامها نحو 20 ألف فرد، تتولى مهام حفظ الأمن داخل غزة وعلى المناطق الحدودية.
ولا يقتصر هذا الإجراء على إدارة الوضع الأمني، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية داخل القطاع، بحيث يُعاد بناء المعادلة الأمنية على نحو يمنع تقويض المضي في تنفيذ الاتفاق، وهذا المسار يعكس إدراكًا متناميًا داخل واشنطن بأن إدارة الصراع باتت تتطلب ترتيبات دولية ملزمة، لا مجرد تفاهمات ثنائية مع إسرائيل، إلي جانب ادراج " الدولة الفلسطينية" لاول مرة.
ومن زاوية دولية أوسع، تُعد عملية نشر قوة استقرار دولية ساحة تنافس واضحة بين القوى الكبرى.
فموسكو تتمسك بأن يكون مجلس الأمن هو المرجعية الوحيدة لأي قوة دولية، في مواجهة أي محاولة أمريكية لاحتكار القرار.
ويعكس ذلك رغبة روسية في استخدام ملف غزة كورقة ضغط مقابلة في شرق أوروبا، ضمن معادلة “التوازن المتبادل” بين الشرق الأوسط والجبهة الأوكرانية. ومن هنا، يصبح أي تحرك أمريكي داخل مجلس الأمن ليس مجرد خطوة تقنية، بل جزءًا من إعادة رسم ميزان النفوذ بين القوى الكبرى.
لكن السياق الميداني يشير إلى تعقيدات عميقة؛ فمع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تواصل إسرائيل تنفيذ خروقات شبه يومية، عنوانها تثبيت واقع عسكري جديد قبل الانتقال إلى أيّ مرحلة سياسية.
عمليات النسف في خان يونس ورفح، والاستهدافات المتكررة في المواصي والبريج وجباليا، تؤكد استراتيجية تدمير ممنهج تستهدف إفراغ مناطق واسعة من القدرة على استعادة الحياة، بما يجعل العودة إليها مستحيلة عمليًا ويؤسس لبنية أمنية إسرائيلية طويلة المدى في “المنطقة الصفراء” التي تشكل أكثر من نصف مساحة القطاع.
وفي العمق، تتعامل إسرائيل مع المرحلة الأولى من الاتفاق بوصفها فرصة لإعادة ترسيم الحدود العملياتية للصراع. فقد استهدفت خلال الشهر الماضي وحده نحو 250 فلسطينيًا، وأحكمت سيطرتها على الممرات الحدودية والأنفاق الهجومية، مستخدمة هذه الورقة لإدامة المرحلة الأولى وتفادي الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تُقيّد قدرتها على المناورة. وتترافق هذه الاستراتيجية مع أزمة داخلية إسرائيلية ضاغطة من نقص جنود الاحتياط إلى خلافات الحريديم مما يجعل العودة إلى الحرب الشاملة خيارًا عالي التكلفة وغير مضمون النتائج.
في المقابل، تحاول إدارة ترامب التوفيق بين هدفين متناقضين، اولاً ما يتعلق بحماية الاتفاق الذي استثمرت فيه سياسيًا، ومنع إسرائيل من تفريغ بنوده من محتواه. وتدرك واشنطن أن الأزمة المتعلقة بـ “المقاتلين الخمسة” في المنطقة الصفراء تشكّل عنصرًا حساسًا قد يفجّر الترتيبات القائمة
ولهذا تواصل الضغط على الحكومة الإسرائيلية لإيجاد مخرج يحفظ هيبة الاتفاق دون منح نتنياهو هامشًا يُمكّنه من توظيف الأزمة داخليًا.
وعلى الرغم من تصلّب الموقف الإسرائيلي ورفضه إخراج مقاتلي حماس، فهناك تقديرات اعلامية من بينها القناة 12 التي اشارت حينها أن الأزمة ستُحل، لأن الولايات المتحدة لن تسمح بانهيار الاتفاق الذي استثمرت فيه سياسيًا ودبلوماسيًا ومع ذلك، تستمر إسرائيل في تبني أسلوب “الاستنزاف الدبلوماسي” للولايات المتحدة، وهو أسلوب سبق أن استخدمته بنجاح في مواجهة مساعي جون كيري عام 2014. حين زار إسرائيل 26 مرة أثناء محاولاته لإنجاز اختراق سياسي.
أما داخليًا في إسرائيل، فيحاول نتنياهو إدارة الأزمة بطريقة تُبقيه في موقع الفاعل الأساسي دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا داخليًا. فهو يريد حلّ مشكلة المقاتلين، لكن بالشكل الذي يحفظ صورته أمام ائتلافه وكتلته اليمينية، ويحول دون تفجّر حكومته. ومن هنا يتضح أن إطالة أمد المرحلة الأولى ليست مجرد تكتيك عسكري، بل خيار سياسي وجودي بالنسبة له.
ختاما، نحن أمام لحظة انتقالية في مسار الصراع: الولايات المتحدة تتحرك من مقاربة أحادية إلى مقاربة مؤسسية متعددة الأطراف؛ إسرائيل تسعى إلى مراكمة مكاسب ميدانية قبل أي انتقال سياسي؛ وروسيا ترى في غزة ساحة للمقايضة مع الغرب.
وفي هذا التشابك، يبقى مستقبل الاتفاق مرهونًا بقدرة الأطراف على تجاوز معضلة نشر القوة الدولية وإدارة تداعيات التدمير الواسع داخل القطاع، وهي تحديات ستحدد شكل الترتيبات اللاحقة لسنوات طويلة.