رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حين أرادَ إدوارد وِليَم لين أن يفتتحَ كتابَه عن المصريين في القرنِ التاسعَ عشر، لم يبدأْ بالناسِ مباشرةً، بل بدأَ بالأرضِ التي يعيشون عليها، وكأنَّهُ يريدُ أن يضعَ القارئَ أمامَ المسرحِ قبلَ أن يظهرَ الممثلون. فهو يقولُ: إنَّ أكثرَ الخصائصِ لشمائلِ أيِّ أُمَّةٍ إنما تأتي من الخصائصِ الطبيعيةِ لتلك الأمة، وأكثرُ هذه الخصائصِ هي الخصائصُ العامة، أمَّا التفصيليةُ فسيتمُّ استعراضُها في الفصولِ التالية.


الكتابُ الأصلي يبدأُ بالحديثِ عن نهرِ النيلِ والفيضان، وعن انتظامِ فصولِ السنةِ الأربعة، وعن درجاتِ الحرارةِ بأقصى ارتفاعٍ لها في الوجهِ البحري الذي يصلُ إلى خمسٍ وثلاثينَ درجة، وإلى أربعينَ درجةً في الوجهِ القبلي، وتنخفضُ في الشتاءِ القارسِ إلى خمسَ عشرةَ درجةً مئوية.


أمَّا مساحةُ القاهرة فلا تتعدّى الثمانيةَ كيلومتراتٍ مربَّعة، ويسكنها حوالي مائتينِ وأربعينَ ألفَ نسمة، أمَّا إجمالي عددِ سكانِ مصر فأقلُّ من مليونين. والقاهرةُ مكوَّنةٌ من عدةِ شوارعَ كبيرةٍ بها حوانيت، ويتفرَّع منها دُروبٌ وحارات. والدروبُ عبارةٌ عن طرقٍ ضيقةٍ مزدحمةٍ عليها بابٌ من كلِّ جانبٍ يُغلقُ ليلاً، وخلفَه حارسٌ «بوّاب» يفتحُ لكلِّ من يطلبُ الدخول.


أمَّا الحاراتُ فتتكوَّنُ من عطفاتٍ صغيرة (جمعُ عطفة)، وعليها بابٌ واحدٌ كبيرٌ يُقفَلُ ليلاً أيضاً. وأغلبُ المنازلِ مكوَّنةٌ من دورَينِ أو ثلاثة: الأرضيُّ من الحجرِ الجيريِّ الناعم الذي يُلوَّنُ بالحمرةِ والبياضِ بالتعاقب، أمَّا الدورُ العلويُّ فيُبنى بالطوبِ اللَّبِن.


أبوابُ المنازلِ من الخشب، وقلَّما تُدهَنُ إلا في البيوتِ الكبيرة، وعادةً يُنقَشُ عليها عبارة: «هو الخلّاقُ الباقي». أمَّا نوافذُ الدورِ الأرضي فتكونُ عادةً مرتفعةً عن الأرضِ وصغيرةً حتى لا يرى المارَّةُ ما بداخلِ المنزل، أمَّا نوافذُ الدورِ الأول فتكونُ أكبرَ قليلاً ومغطّاةً بالخشب، وتُسمَّى «رُوشَنَا» أو «مَشْرَبيَّة»؛ والتي اشتُقَّ اسمُها من الشرب، إذْ عادةً ما تُوضَعُ قُلَلُ الماءِ بها لتتعرَّضَ لتياراتِ الهواءِ البارد باستمرار.


ويتوسّطُ كلَّ دارٍ فناءٌ مكشوفٌ غيرُ مُبلَّط، وتُطلُّ الغرفُ الرئيسيةُ في الدارِ عليه، ومن هذه الغرفِ غرفةُ الضيوف التي يُطلقُ عليها «مَندرة»، وبابٌ خاصٌّ للحريم. 

ويصفُ الكاتبُ القفلَ الخشبيَّ الموجودَ على الباب والمُسمَّى «الضَّبَّة»، والثقوبَ الموجودةَ فيه (عادةً أربعةٌ أو خمسة). ويصفُ أيضاً الحوانيتَ والغرفَ الموجودةَ بالدورِ العلويِّ منها، وهي غرفٌ منفصلةٌ تُسمَّى «رُبْع»، وعادةً ما تُؤجَّرُ بدونِ فرشٍ، ويَندرُ أن تُؤجَّرَ لأعزبٍ أو جارية.


أمَّا بيوتُ الفلّاحين فهي عبارةٌ عن أكواخٍ عاديةٍ مبنيّةٍ بالطوبِ اللَّبِن، وعادةً ما يوجدُ فرنٌ من الطوبِ اللبن أيضاً في إحدى تلك الغرف، وغالباً ما يكونُ ذلك في الوجهِ البحري.


يتطرّقُ الكاتبُ بعد ذلك إلى التعداد، وصعوبةِ وجودِ حصرٍ دقيقٍ لعددِ السكان، ولكنَّه يشيرُ إلى المنهجيةِ التي تمَّ اتباعُها قبلَ تأليفِ الكتابِ بسنوات، والتي بُنيتْ على فرضيةٍ أنَّ عددَ أفرادِ المنزلِ في العاصمةِ هو ثمانيةُ أفرادٍ، وفي الريفِ أربعةُ أفرادٍ فقط.

 والغريبُ أنَّ الكاتبَ ينهى فصلَه الأوّل بانتقادٍ للوالي محمد علي باشا، رغم وصفِه بالعاهلِ العظيم، على أنَّه انتزعَ الأراضي الزراعيةَ من الفلاحين الفقراء!


أمَّا في عام 2025 فنجدُ أنَّ مصرَ تقفُ على مفترقِ طُرُقٍ واضح، كدولةٍ ذات حضارةٍ ممتدةٍ لآلافِ السنين، لكنَّها في الوقتِ ذاته تدخلُ بقوةٍ إلى عصرٍ رقميٍّ جديدٍ يفرضُ نفسه على تفاصيلِ الحياةِ اليومية. 

 

فالمشهدُ العامُّ في مصرَ اليوم يمكنُ قراءتُه من خلالِ عدةِ عناصرَ متداخلة، تماماً مثلما حاولَ إدوارد لين قراءتَه في كتابِه القديم من خلال: المناخ، العاصمة، المنازل، السكان، ثم نُضيفُ إليه أثرَ الذكاءِ الاصطناعيِّ الذي بدأ ينسجُ خيوطَه في كلِّ المجالات.


فالمناخُ في مصرَ، بطبيعتِها كبلدٍ صحراوي، يعتمدُ في الأساسِ على نهرِ النيل كمصدرٍ أساسيٍّ للمياهِ العذبة، لكنَّ التغيراتِ المناخيةَ العالميةَ جعلت التحدياتِ البيئيةَ أكثرَ تعقيداً. 

ففي السنواتِ الأخيرةِ ازدادت موجاتُ الحرارةِ شدةً وطولاً، وأصبحَ العيشُ بدونِ مروحةٍ أو جهازِ تكييفٍ في غايةِ الصعوبة، كما ظهرت أنماطُ جفافٍ أكثرُ تكراراً، في حينِ يظلُّ شبحُ ارتفاعِ مستوى سطحِ البحر مُهدِّداً.


ونظراً للتغيراتِ المناخيةِ العالمية، نجدُ أنَّ تقاريرَ بيئيةً عديدةً حذَّرت من تآكلِ الأراضي الزراعية وازديادِ الملوحةِ في التربة. 

وفي المقابل، تعملُ الدولةُ على مشروعاتِ حمايةِ الشواطئ، وتوسيعِ شبكاتِ الري الحديثة، ومشروعاتِ تبطينِ الترع، وتحليةِ مياهِ البحر، وإعادةِ الاستخدام. والحقيقةُ أنَّ هذا الأمرَ ليس خاصاً بمصرَ فقط، فالتغيراتُ المناخيةُ الأخيرةُ أصابتِ العالمَ كلَّهُ بارتباكٍ شديدٍ جعلَ حديثَ التسعينيات عن ثُقبِ الأوزون، الذي أُخِذَ بالكثيرِ من الاستخفاف، أمراً يندمُ عليه الجميع.


أمَّا عن العاصمةِ «القاهرة» فهي اليوم ليست مجردَ مدينة، بل كيانٌ حضريٌّ ضخمٌ يتجاوزُ حدودَها الإدارية ليضمَّ قرابةَ ثلاثةٍ وعشرينَ مليونَ نسمةٍ في نطاقِها العمرانيِّ الأوسع. 

هذا التضخمُ السكانيُّ جعلَ من القاهرةِ مدينةً مزدوجةَ الملامح: أحياءٌ مترفةٌ تتمتعُ ببنيةٍ تحتيةٍ حديثةٍ وخدماتٍ رقمية، وأحياءٌ أخرى أو فلنقل «عشوائيات» تعملُ الدولةُ من خلالِ مشروعٍ عمرانيٍّ كبيرٍ للقضاءِ عليها. 

ولكن تبقى مشكلةُ الازدحامِ التي تجعلُ القاهرةَ تعاني من تكدّسٍ سكانيٍّ واختناقاتٍ مرورية، وضغطٍ على شبكاتِ الصرفِ والمياهِ والكهرباءِ، ونقصٍ في المساحاتِ الخضراء.
ويتمُّ معالجةُ ذلك من خلالِ توسيعِ شبكاتِ الطرق وبرامجِ الحدِّ من الزيادةِ السكانيةِ غيرِ المنضبطة.

بالإضافةِ إلى ذلك، نجدُ أنَّ العاصمةَ الإداريةَ الجديدة وُلِدت في هذا السياق كحلٍّ لتخفيفِ الضغطِ عن القاهرة، إذْ صُمِّمت لتستوعبَ ملايينَ السكان وتكونَ مركزاً إدارياً واقتصادياً جديداً. وليس هذا وحسب، بل شملَ التوسعُ العمرانيُّ الكبيرُ المدنَ الجديدةَ الذكيةَ في الظهيرِ الصحراوي للمحافظات، الأمرُ الذي أدَّى إلى مضاعفةِ المساحةِ المأهولةِ بالسكان، وذلك لأول مرةٍ في تاريخِ مصر، من 7% إلى حوالي 14% من مساحةِ الدولة.


أمَّا عن المنازلِ، فبحسبِ التقديرات، بلغَ متوسطُ عددِ الوحداتِ السكنيةِ في مصرَ أكثرَ من مليونِ وحدةٍ سنوياً. 

وفي الوقتِ ذاته، استفادَ ملايينُ من برامجِ الإسكانِ الاجتماعيِّ التي هدفت إلى توفيرِ مساكنَ منخفضةِ التكلفة، وهو إنجازٌ لا يمكنُ إنكاره. إلا أنَّ المشهدَ يبقى معقداً: فبينما يزدادُ المعروضُ من الإسكانِ الفاخر، تظلُّ الشرائحُ الأدنى تحتاجُ دائماً إلى بدائلَ أخرى بتكلفةٍ معقولة.


وهنا يظهرُ سؤالٌ مُلحٌّ: كيف يمكنُ خلقُ سوقٍ سكنيٍّ يتمتعُ بالتوازنِ والشفافية، خاصةً مع انتشارِ «الكومباوندات»؛ أي تلكَ التجمعاتِ السكانيةِ المُسوَّرة التي لا يدخلُها إلا قاطنوها أو زوّارُهم بعد تصريحٍ من رجلِ الأمن القابعِ على البوابات؟ أمرٌ يُشابهُ بواباتِ القاهرة وبواباتِ الحاراتِ السابقِ الإشارةِ إليها، ولكن بأسلوبٍ عصري.

 وبصورةٍ عامةٍ نجدُ أنَّ غالبيةَ السكانِ يقطنون الشققَ في العمارات، ونسبةً قليلةً يقطنون في منازلَ منفصلةٍ أو فيلاتٍ يوجدُ ببعضِها حمامُ سباحة.

والكثيرُ من المنازلِ تحوَّلت إلى منازلَ ذكيةٍ أو شبهِ ذكية، تُدارُ من خلالِ أنظمةٍ خاصةٍ للإضاءةِ والتدفئة، وبكاميراتِ مراقبة، وتشغيلٍ أوتوماتيكيٍّ للأجهزةِ في توقيتاتٍ محددة، وهو أمرٌ تحرَّك من العاصمةِ إلى المحافظاتِ والأقاليمِ أيضاً، نتيجةَ تطورِ تقنياتِ البناءِ الحديثة مقارنةً بتلكَ المستخدمةِ في القرنِ التاسعَ عشر.

أمَّا عددُ السكانِ في مصرَ فقد وصلَ في منتصفِ 2025 إلى ما يقاربُ 108 ملايينَ نسمةٍ في الداخل، وهو رقمٌ يضعُ البلادَ ضمن أكبرِ الدولِ سكاناً على مستوى العالم. أمَّا عن التركيبةِ السكانيةِ، فيغلبُ عليها الطابعُ الشبابي، حيثُ نجدُ أنَّ التعدادَ الأخير يشيرُ إلى أنَّ 75% من السكانِ تحتَ سنِّ الأربعين، ما يجعلُ من مصرَ دولةً ذات طاقةٍ بشريةٍ هائلةٍ إذا أُحسنَ استثمارُها. لكنهُ في المقابلِ يفرضُ ضغطاً على الخدماتِ الصحيةِ والتعليميةِ والفرصِ الاقتصادية.


ومع هذا، فإنَّ توزيعَ السكانِ يظلُّ غيرَ متوازن، إذْ تتركزُ الكثافةُ في الدلتا ووادي النيل، بينما تعاني المناطقُ الصحراويةُ والحدوديةُ من قلةِ العمران، ولكنها ولأولِ مرةٍ أصبحت مأهولةً نوعاً ما. وبالرغمِ من انخفاضِ معدلاتِ الزيادةِ السكانيةِ في السنواتِ القليلةِ الماضية، فإنَّ الدولةَ مستمرةٌ بالتزامٍ واضحٍ في تنفيذِ سياساتٍ شاملةٍ في التشغيلِ والتعليمِ والإسكانِ والصحة.

ومع نهاياتِ القرنِ العشرين وبداياتِ الألفيةِ الثالثة، دخلت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المشهدِ بقوة.

وخلالَ السنواتِ الأخيرة، تبنّت مصرُ استراتيجياتٍ متعددةً للتحولِ الرقميِّ والأمنِ السيبرانى، ووضعت استراتيجيةً وطنيةً للذكاءِ الاصطناعي. وبدأت المؤسساتُ الحكوميةُ والقطاعُ الخاصُّ دمجَ أدواتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ في قطاعاتٍ متعددة. 

فعلى سبيل المثال: في مجالِ المناخ، تُستخدمُ النماذجُ التنبؤيةُ لرصدِ مخاطرِ الفيضاناتِ والجفافِ بشكلٍ أدق. وفي العاصمةِ تُوظَّفُ تحليلاتُ البياناتِ الضخمةِ لتخطيطِ شبكاتِ النقلِ والخدمات. أمَّا في الإسكانِ، فقد ظهرت منصاتٌ رقميةٌ لتسهيلِ تسجيلِ الوحداتِ، وتسريعِ إجراءاتِ التمويلِ العقاري، وتحليلِ المخاطرِ المرتبطةِ بالمشروعاتِ العمرانية.
وفي قطاعِ الصحة، تُساعدُ خوارزمياتُ الذكاءِ الاصطناعيِّ في تحليلِ الصورِ الطبيةِ ورصدِ الأمراضِ مبكراً. بينما في التعليم، تُطوَّر منصاتٌ للتعلُّمِ الشخصيِّ تُواكِبُ احتياجاتِ كلِّ طالب. هذا بالإضافةِ إلى التوسعِ في البنيةِ التحتيةِ التكنولوجيةِ والخدماتِ الحكوميةِ الرقمية.


وفي إطارِ انتشارِ الذكاءِ الاصطناعيِّ وتطبيقاته، تبقى هناك تحدياتٌ جوهريةٌ مرتبطةٌ بالاستخدامِ العام، والتأثيرِ على قدراتِ العقلِ البشري، والانحيازاتِ الظاهرةِ في الخوارزميات، وقضايا الإبداع، والملكيةِ الفكرية، وغيرها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء