بعد مرور عامين على الحرب التي أحرقت كل شيء في غزة، تبرز المرأة الغزّية كعنوان للنجاة والتحدي، لا مجرد ضحية.
تحت ركام البيوت، وسط طوابير الإغاثة، وفي ظل الغياب القسري للرجال بين شهيد وأسير ومصاب، ظهرت النساء كقائدات في الخطوط الأمامية للحياة. دخلت النساء في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ مرحلة نوعية وغير مسبوقة من المعاناة المريرة والقاسية؛ حيث تعرضن لأشد أنواع العنف المركب نتيجة للهجوم العسكري الإسرائيلي الوحشي الذي استهدف المدنيين بلا رحمة أو حماية.
وعلى الرغم من أن الهجوم أصاب الجميع إلا أن النساء يعانين بشكل غير متناسب نظرًا للظروف الاجتماعية والثقافية التي تزيد من هشاشتهن في أوقات الحروب. حيث أدى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى استشهاد أكثر من 12.500 شهيده منها اكثر من 9000 أم نتيجة الاستهداف المباشر للمباني والمنازل، بالإضافة أن 4 من كل 10 حوامل أو مرضعات يعانين من سوء تغذية. اكثر من 4500 حالة إجهاض. ونسبة النساء 12.7% من إجمالي عدد حالات البتر الأمر الذي يضع العديد من التحديات الكبيرة أمام المرأة.
فلم يكن واقع حياة المرأة قبل الحرب هو الأفضل، بسبب الحصار على غزة والانقسام ، رغم نجاح المؤسسات النسوية ومنظمات المجتمع المدني في تغيير بعض المفاهيم والقوانين المرتبطة بها والتي تحميها وتؤهلها للأفضل، ثم جاء غول الحرب يلتهم كل تلك الحقوق، ولم يعد للمرأة أي نظام يحمي حقوقها، وهو ما انعكس على واقعها من كافة النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والصحية.
الآثار السياسية على المرأة
وفي ظل الحرب فإن وضع النساء صعب للغاية بسبب فقدان المنزل والأمان نتيجة النزوح المتكرر والتنقل والعيش دون خصوصية في مراكز الإيواء العامة التي تفتقر إلى كل مقومات الحياة. وتجدر الإشارة إلى أن النساء يشكلن نصف النازحين في غزة والبالغ عددهم مليوني شخص.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون امرأة وفتاة لا يستطعن الحصول على الغذاء أو مياه الشرب النظيفة، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض على نطاق واسع.
ومن أخطر الانتهاكات الأخيرة ضد النساء في قطاع غزة اعتقالهن من قبل سلطات الاحتلال وتعريضهن لأشكال خطيرة وغير مسبوقة من العنف والإيذاء والتعذيب.
لقد أعادت الحرب نضال المرأة السياسي إلى نقطة البداية، وألقت بإنجازاتها في مهب الريح وأصبح همها الأول الذي أصبح من الصعب التعامل معه أكثر من أي وقت مضى، توفير الأمن والغذاء واللباس والشراب. وتحولت مؤسسات المرأة من مؤسسات حقوق الإنسان إلى مؤسسات إغاثية، مما زاد من حدة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتفكك الأسر، والطلاق، وغياب الحقوق.
الآثار المهنية على المرأة
مثل غيرها من النساء في العالم، عملت النساء الفلسطينيات في غزة في العديد من الوظائف وأدارت العديد من الأعمال القيادية لأنهن حصلن على أعلى مستويات التعليم. لكن حرب "طوفان الأقصى" أغرقتهن في هموم تتضاعف كل لحظة، وكان لذلك تأثير على قدرتهن على مواصلة حياتهن المهنية.
في الواقع لا تزال قلة من النساء المهنيات يمارسن عملهن بسبب النزوح وتزايد الاحتياجات اليومية، وخاصة الطوابير التي لا تنتهي أمام مصادر المياه وتوزيع الأغذية وحتى المراحيض. لكن بعض النساء يواصلن العمل، مثل الدكتورة ل. ن. التي تعمل في قسم الطوارئ والتي أخبرتني عن معاناتها كطبيبة أثناء الحرب.
وقالت إن الهموم اليومية للحرب، من إيجاد الخشب أو الغاز لإشعال النار للطهي والبحث عن الماء، أثرت على عملها كطبيبة: "أصل إلى العمل منهكة من الأعمال اليومية في المنزل, والقلق من البعد عن الأسرة.
فكلما سمعت صوت سيارة إسعاف تقترب من المستشفى، أخشى أن يكون من في سيارة الإسعاف أفرادًا من عائلتي، لدرجة أنني بدأت أتوسل إلى الله أن يكونوا مصابين وليسوا قتلى. كما أشعر بالإحباط والهم في علاج الحالات اليومية بسبب نقص الإمكانيات وغياب الأدوية والمعدات الطبية
تقول السيدة ع.س مستشارة نفسية واجتماعية: مصيبتي مضاعفة، فبالإضافة إلى الهموم اليومية على عائلتي، فقدت منزلي بسبب النزوح وأعيش في ملجأ عام محاطة بنساء أخريات في همومهن الخاصة، أخاف عليهن وعلى عائلتي وعلى نفسي وعلى المستقبل، وأثناء علاج مشاكل النساء الأخريات أشعر أنني أنا نفسي في حاجة وأحق بهذا العلاج، وأحيانا ألوم نفسي وأتهم نفسي بالكذب لأنني أطالب هؤلاء النساء باتخاذ خطوات لا أستطيع تنفيذها بنفسي بسبب الحرب.
وهناك العديد من المعلمات العاملات في الخيام والملاجئ العامة للنازحين، لكنهن يدركن أن هموم الحرب اليومية تشكل مشكلة أكثر إلحاحًا من الجهل والأمية.
تقول المعلمة ج.ع كيف للطالبة التي تأتي إلى الفصل حافي القدمين أو تعاني من مرض جلدي معدٍ أن تستوعب درسها اليومي.
لسوء الحظ، سلب طوفان الحرب كل آمال وأحلام النساء العاملات وتحول من أحلام حول المستقبل إلى هموم آنية ومؤقتة مثل التفكير في الماء والمأوى وإنقاذ أسرهن من الموت.
الآثار الاقتصادية والصحية على المرأة
أدت الحرب على غزة إلى أوضاع كارثية أثرت على صحة المرأة وأوضاعها الاقتصادية، حيث ارتفعت الأسعار وانعدام الخدمات الصحية، وفقدت الكثيرات أزواجهن ومعيليهن، مما زاد من همومهن وتفاقم معاناتهن الاقتصادية. وتقوم أغلب النساء بالأعمال الشاقة في تحضير الطعام وحمل المياه وغسل الملابس يدوياً.
وفي بعض الحالات، اضطرت النساء إلى الحد من استهلاك الأسرة من الغذاء إلى وجبة أو وجبتين في اليوم والاعتماد كلياً على الأطعمة المعلبة كوجبة رئيسية.
وبالإضافة إلى الافتقار العام للخصوصية، فإنهن يعشن في خيام ويستخدمن المراحيض العامة إن وجدت. ولا تتوقف معاناة النساء هنا، حيث تتعرض النساء الحوامل والمرضعات لسوء التغذية.
وتشير البيانات الصحية في قطاع غزة إلى أن النساء الحوامل يواجهن تحديات خطيرة، أبرزها نقص الرعاية قبل الولادة بسبب صعوبة الوصول إلى المرافق الصحية ونقص الخدمات الطبية والأدوية.
كما تعاني الأمهات من قلة إنتاج الحليب بسبب سوء التغذية، مما يضاعف من العبء على الأسرة بسبب ارتفاع سعر الحليب في الأسواق إن توفر. وتحولت العديد من مراكز رعاية الأسرة إلى مراكز لعلاج الجرحى واستقبال الجثث، مما أدى إلى زيادة حالات الولادة غير الصحية وغير الطبيعية، وبالتالي التأثير على حياتهن وحياة المواليد.
لقد كان للعدوان الإسرائيلي على غزة بما في ذلك إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات الإنسانية، تأثير كبير على صحة النساء بسبب عدم توفر حتى أبسط مستلزمات النظافة، مما يضطرهن إلى اتخاذ خيارات بدائية تؤثر سلباً على صحتهن وتعيق قدرتهن على العيش بكرامة، وقد حرمت هذه النساء من كافة الحقوق وأبسطها الفوط الصحية للدورة الشهرية التي أصبحت عبئاً عليهن، بل إن هناك نساء يلجأن إلى تناول حبوب لتأخير الدورة الشهرية.
لقد تسببت الحرب في غزة في واحدة من أشد وأقسى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث طالت كل سكان القطاع من قتل وجرح وتهجير وتجويع، وهذه الحرب هي حرب على النساء بشكل خاص، مما أدى إلى تدهور كافة مجالات حياتهن ووضعهن أمام تحديات كبيرة وصعوبات كبيرة تزيد من معاناتهن في كل لحظة، وينعكس ذلك على أوضاعهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية.
الآثار النفسية والاجتماعية على المرأة
لقد ضاعفت الحرب معاناة المرأة الفلسطينية، حيث ظهرت تحديات إضافية بسبب ضربات الاحتلال وممارساته العدوانية، وما زالت المرأة تعاني من ظروف نفسية ومعيشية بالغة الصعوبة والتعقيد، مما أدى إلى حالات من العنف الأسري، حيث تم تهجيرها من منازلها وعيشها في ظروف غير إنسانية تفتقر إلى الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
والنساء، كغيرهن من قطاعات المجتمع، يتعرضن للهجوم بشكل متزايد، لكن واقع المرأة يمكن اعتباره الأكثر صعوبة وخطورة لاعتبارات خاصة.
فاستشهاد الأزواج والأبناء والأخوة يتركها في حالة صدمة، وكثيراً ما يجبرها على تحمل عبء الأسرة بأكملها. وكنساء، تواجه صعوبة إضافية في التكيف مع العيش في الخيام مما يفقدها كل أشكال الخصوصية. كما أن قرب خيام النازحين في مراكز الإيواء والاعتماد على الحمامات الجماعية يزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية بسبب تعرض العديد من الفتيات والنساء للتحرش الجسدي واللفظي.
وتتفاقم مخاوفهم وقلقهم بسبب القلق بشأن مستقبل الأسرة، وخاصة الأطفال، مما يؤدي إلى اضطرابات نفسية وزيادة معدلات العنف المنزلي والمجتمعي.
وفي ظل الحرب، تتحمل نساء غزة مهام صعبة لا تتناسب مع طبيعتهن الجسدية، مثل الحاجة إلى الوقوف في طوابير المساعدات لفترات طويلة للحصول على المواد الأساسية مثل الخبز والماء. كما تجبرهن الأسعار المرتفعة وإغلاق المعابر الحدودية في كثير من الأحيان على الاعتماد على المواد المعلبة، مما يحرم الأطفال من احتياجاتهم الغذائية. وهذه الأعباء تتحدى القدرات الجسدية والعقلية للمرأة.
ختاماً
إن الحرب تشكل حربا اجتماعية اقتصادية، مما يخلق الحاجة إلى أنشطة وحلول جديدة من المؤسسات النسائية التي تحولها عن رؤيتها وأهدافها الأصلية، وتحولها إلى مؤسسات إغاثية.
تشعر المرأة في هذه الحرب بعدم الأمان بشكل متزايد، وتحرم من أبسط الحقوق، فخسارة منزلها تشكل كابوساً عائلياً، ويزيد الصراع من أجل البقاء من ضغوطها النفسية ومشاعر التوتر والقلق والانفعال وتوقع الموت في أي لحظة، وتضطر إلى النضال بشكل مستمر لتأمين حياة آمنة لأسرتها وحماية أطفالها وتقديم الدعم النفسي والمعنوي لأسرتها، والتعامل مع كل مخاوفها والتظاهر بالهدوء لطمأنة أسرتها، مما يزيد من اضطراباتها النفسية والعصبية.
وعلى المستوى الاجتماعي، تقع أعباء تلبية احتياجات الأسرة على عاتق النساء بالدرجة الأولى. وإضافة إلى كل الصعوبات المذكورة أعلاه، فإن عدم الاستقرار والنزوح المستمر من منطقة إلى أخرى يفرض على النساء التكيف باستمرار مع الظروف الجديدة في كل منطقة تنتقل إليها، مما يساهم في شعورهن بالفوضى وعدم الاستقرار والخوف وانعدام الأمن.
لقد تعرضت المرأة الفلسطينية لاعتداءات من تمييز وعنف وحرمان وسلب كرامتها لسنوات طويلة، وتضاعفت هذه الاعتداءات بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، مما عرضها للاعتقال أو الموت، وتركها تتحمل أعباء الأسرة الصحية والنفسية والاقتصادية والمجتمعية، وقد أصبحت هذه الأوضاع كارثية، مما زاد من تعقيد دور المرأة ومهامها، وتتطلب المشكلة جهوداً إغاثية كبرى لتحقيق الدعم النفسي والاجتماعي على المدى القريب والبعيد، ووضع خطط مستقبلية لتحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة، والعيش بكرامة، والاستفادة من كافة القوانين والتشريعات الدولية ذات الصلة.