ذوق جديد كسر الهيبة الثقافية.. كيف استولى المؤثرون على الشهرة؟
قبل عقدين فقط، كان المشهد الثقافي العربي ينتظم داخل منظومة صلبة من المؤسسات التي تنتج رموزاً فكرية قادرة على التعبير عن الشعب، عبر الصحف الكبرى، والمجلات الأدبية، واتحاد الكتّاب، والبرامج الثقافية في التلفزيون الرسمي، والمكتبات، والصالونات الفكرية في المقاهي، وكانت جميعها محطات متشابكة تصنع قامات ثقافية عبر مسار طويل يبدأ بنشر مؤلَّف، يليه تقييم نقدي، ثم تبنٍّ من النخبة، وصولاً إلى مكانة رمزية راسخة.
وفي تلك المرحلة، كما يصف الفيلسوف جيرار لوكليرك، كان المثقف بمثابة «مدير رمزي» للقيم، يصوغ خطابًا عالي الدلالة ويبني هوية فكرية تستند إلى مشروع طويل الأمد، العمق فيه كان شرطًا أساسيًا للوجود الثقافي وما يصاحبه من شهرة.
لكن هذا العالم الذي بدا ثابتًا بدأ يتصدّع مع ظهور الإنترنت، ثم الهواتف الذكية، لتدخل منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها الحدث الأكبر الذي أعاد تشكيل الثقافة من جذورها القيمية.
الشرخ الأول.. عندما بدأت التكنولوجيا تهزّ العالم القديم
في دراسة بعنوان «دور التحول الرقمي في إعادة التشكيل الثقافي للمجتمع»، قدمت الدكتورة صفاء مدكور وصفًأ تفصيليًا لدور وسائل التواصل في إعادة هندسة التفاعل الاجتماعي، مشيرةً إلى بروز قيم جديدة تجد وزنها في وسائط الاتصال الحديثة لا في مؤسسات الماضي، وفي قلب هذا التحوّل ظهرت فئة جديدة على المجتمع، وهم المؤثرون، الذين باتوا يحتلون موقعًا مركزيًا في المشهد، دون حاجة إلى مشروع فكري أو رأسمال معرفي، بل عبر امتلاكهم قوة تفاعل وجاذبية رقمية تضمن لهم الوصول إلى جمهور ضخم في وقت قياسي.
مع هذه التحولات، تبدّلت القوة الرمزية، فلم يعد المثقف يُقاس بعمق مشروعه أو تراكم إنتاجه، بل صار المؤثر يُقاس بعدد متابعيه، بمعدل ظهوره، وقدرته على إنتاج محتوى سريع يلامس رغبات الجمهور.
ألغت السوشيال ميديا حاجز الدخول إلى مجال الثقافة والفن، فأصبح بإمكان أي شخص أن يطرح نفسه نجمًا ثقافيًا أو اجتماعيًا، ما دامت خوارزميات المنصة تدعمه، بالتوازي مع ذلك، تراجعت المجلات الورقية، خفتت البرامج الثقافية، وضعفت المؤسسات التي كانت تضبط وتنتج الوعي الثقافي.

صعود النجم الرقمي بلا تاريخ ثقافي
هذا التغيير المهول فتح الباب أمام السؤال الأهم: كيف صعد المؤثرون بهذه السرعة؟ الجواب، كما تراه مدكور في دراستها يعود إلى آليات جديدة تحكم المنصات، من اقتصاد الانتباه، التفاعل المباشر، الإقناع السريع، ورأس المال الرقمي، وهو ما جعل المؤثرين اليوم يشكّلون ما يسميه باحثو علم الاجتماع «النخبة الرقمية»، وهي فئة تمتلك قوة نابعة من تأثيرها لحظيًا عبر الشبكات، لا من مكانتها الفكرية، فعلاقة المؤثر بجمهوره شبه يومية، تقوم على القرب، البساطة، والصورة، وهذا يجعل محتواه أكثر قابلية للتسويق والإقناع، كما تشير دراسات أخرى بحثت في دور المؤثرين في تشكيل السلوك الاستهلاكي والثقافي، يضاف إلى ذلك أن صناعة المؤثر أصبحت اقتصادًا قائمًا بذاته، يشمل الرعاة وشركات التسويق، ما يمنح هذه الفئة قوة مالية تضيف إلى حضورها الرمزي.
في المقابل، يواجه المثقف التقليدي أزمة مزدوجة ما بين أزمة تأثير وأزمة حضور، كما تشير تقارير أكاديمية منشورة عبر مجلة «hub sociology»، فالصوت العميق يجد نفسه اليوم محاصرًا بين ملايين الأصوات القصيرة التي تنتجها المنصات كل ثانية، وحتى عندما حاول بعض المثقفين الظهور رقميًا، اصطدموا بانهيار معايير الذائقة الجديدة التي تفضّل الخطاب الخفيف والصورة اللامعة على المقال الطويل، وهو ما تحذر منه مقالات عديدة من بوصفه «ثقافة السطحية»، حيث يصبح الترفيه معيارًا أساسيًا، بينما تتآكل الوظيفة التقليدية للثقافة كمساحة للنقد والتنوير.