رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اقتصاد الحروب… كيف رفعت النزاعات ميزانيات الدفاع على حساب التعليم والصحة؟

اقتصاد الحروب
اقتصاد الحروب

مع تصاعد وتيرة الحروب والنزاعات واتساع رقعة الصراعات في أكثر من منطقة في العالم، ارتفعت الضغوط على الموازنات العامة للدول، بسبب توجه الحكومات إلى تعزيز إنفاقها العسكري ورفع ميزانيات الدفاع، في محاولة لحماية أمنها القومي ورفع جاهزيتها الاستراتيجية، هذا التوجه يضع قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والاستثمار تحت ضغط متزايد، خاصة في الدول النامية ذات الموارد المالية المحدودة، إذ يصبح تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات التنمية تحديًا مركزيًا لا يمكن تجاهله، وسط بيئة عالمية تتغير بوتيرة سريعة وغير مسبوقة.

تتداخل رؤى الخبراء حول التأثيرات المتنامية لاقتصاد الحرب، وتداعياته على الخدمات الأساسية وقدرة الدول على الحفاظ على التوازن المالي وسط تهديدات متزايدة وعدم يقين جيوسياسي.

اندلاع الحروب يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الطلب على التسلح 

مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الدكتور عبد المنعم السيد، يؤكد أن اندلاع الحروب والنزاعات يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الطلب على التسلح وشراء الأسلحة، ما يزيد من نفقات الجيوش ويجعل جزءًا كبيرًا من الموازنة العامة يتجه نحو الإنفاق العسكري، وهو ما ظهر بقوة مؤخراً في العديد من الدول العربية التي تعتمد على ما يعرف بـ”اقتصاد الحرب” إذ يتم تخصيص موارد أكبر لتلبية الاحتياجات الدفاعية والمعدات العسكرية، مشيرًا إلى أن تأثير الحروب لا يقتصر على الدول المنخرطة مباشرة في النزاع، بل يمتد ليشمل دولًا مجاورة تشعر بتهديد محتمل على حدودها، مستشهدًا بالحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في فبراير 2022 وما زالت مستمرة حتى الآن، والتي دفعت ألمانيا وفرنسا إلى زيادة موازنات الدفاع بنسب تجاوزت 30%.

ويوضح السيد في تصريحات لـ “إيجبتك” أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب طالب دول الاتحاد الأوروبي برفع مساهماتها الدفاعية في الناتو إلى 5% بدلًا من 2%، محذرًا من أن زيادة الإنفاق العسكري ينعكس مباشرة على مخصصات التعليم والصحة والاستثمار، خصوصًا في الدول ذات الموارد المحدودة التي تضطر غالبًا لتقليص بنود خدمية لتمويل التوسع الدفاعي، خاصة في حال ثبات إجمالي الإنفاق العام، مضيفًا أن أحد الحلول هو التوسع في التصنيع العسكري المحلي لسد جزء من الاحتياجات وتقليل فاتورة الاستيراد، مع إمكانية التصدير مستقبلًا لتحقيق توازن بين الأمن الوطني ومتطلبات التنمية.

سيناريو الحرب هو الأسوأ لأي اقتصاد مهما كانت قوته

وفي نفس السياق، يقول كريم عادل رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية الدكتور إن سيناريو الحرب هو الأسوأ لأي اقتصاد مهما كانت قوته، موضحًا أن العولمة بمفهومها الشامل جعلت العالم بأسره متصلاً، بحيث ترتبط الأسواق المالية والاستثمارات الأجنبية وسلاسل الإمداد العالمية ببعضها بشكل وثيق، ما يصعب تفادي التأثيرات الناتجة عن أي أزمة في أي دولة، سواء كانت جيوسياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو مالية أو صحية. 

ويضيف عادل في تصريحات لـ “إيجبتك” أن التداعيات تمتد عالميًا كما شهد العالم في أزمات سابقة أثرت على كبريات الاقتصادات، لافتًا إلى أن العالم محاصر بإقليم ملتهب بالصراعات والحروب شمالاً وشرقاً وجنوباً وغرباً، وجميعها قادرة على التأثير على أي اقتصاد مهما بلغت قوته، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي في مرحلة التعافي من أزمات سابقة، ما يزيد من حدة الأثر والضرر.

ويتابع أن التوترات الجيوسياسية تؤثر بشكل مباشر على الموارد المالية للدول، من خلال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة تأثر الممرات الملاحية، وتعطل قطاع السياحة بسبب المخاوف، إضافة إلى تأثر أسعار النفط بالطلب المتزايد نتيجة الصراعات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والتضخم وإمكانية تعطل سلاسل الإمداد العالمية.

أما تأثير الحروب على الصحة والتعليم، فيصفه بأنه نسبي ويعتمد على قوة كل اقتصاد، موضحًا أن الدول النامية تتأثر بشدة بسبب الأعباء المالية والاعتماد على موارد محدودة، بينما هناك اقتصادات مثل روسيا لم تتأثر بالشكل نفسه، لأنها اقتصاد حرب بطبيعته وتمتلك تنوعًا اقتصاديًا سمح لها بتحويل الموارد لدعم المجهود الحربي وزيادة الإنتاج المحلي دون تأثير كبير على الصحة والتعليم، محذرًا من أن أغلب الدول الأكثر تأثرًا بالحروب تواجه انعكاسات سلبية تمتد إلى قطاعات الصحة والتعليم، مما يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والتوظيف ويرفع البطالة ويخلق فجوة بين سوق العمل ومخرجات التعليم، وينعكس على الصحة العامة.

من الطبيعي أن تزيد الدول إنفاقها على الأمن والدفاع في فترات الاضطرابات والنزاعات لحماية أراضيها

ويتفق معه خبير الاقتصاد الدكتور علي الإدريسي، معتبرًا أنه من الطبيعي أن تزيد الدول إنفاقها على الأمن والدفاع في فترات الاضطرابات والنزاعات لحماية أراضيها واستقرارها الداخلي، لافتًا إلى أن هذا النمط من الإنفاق ليس استثناءً بل سلوكاً متكرراً عالميًا عند مواجهة تهديدات مباشرة أو غير مباشرة، مضيفًا أن التوترات لا تؤثر على سياسات الحكومات فقط، بل تمتد إلى الأفراد والمستثمرين الذين يتجهون نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والعقارات والدولار بدلاً من الاستثمار المنتج، مما ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي والطلب الإجمالي في الأسواق.

وحول ما إذا كان ارتفاع ميزانية الدفاع يؤدي بالضرورة إلى تراجع مخصصات التعليم والصحة، يؤكد الإدريسي لـ “إيجبتك” أن التأثير السلبي قد يحدث لكنه ليس حتميًا، موضحًا أن بعض الدول رغم تعرضها لتهديدات تمكنت من زيادة الإنفاق على التعليم والصحة وتحقيق النسب الدستورية المطلوبة من الناتج المحلي، لكنه يشير إلى أن الضغوط الاقتصادية قد تمتد إلى ملفات أخرى مثل منظومة الدعم.

ويشير الإدريسي، إلى أن تحقيق التوازن بين الإنفاق الأمني ومتطلبات التنمية الاجتماعية أثناء النزاعات عملية مستمرة تتأثر بالظروف الطارئة، لكن الدولة تسعى دائمًا للحفاظ على هذا التوازن بين بناء الإنسان وتقديم الخدمات الأساسية من جهة، وبين الحفاظ على الأمن والاستقرار من جهة أخرى.

وفي ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية التي قد تتبناها الدول لحماية التعليم والصحة في أوقات الحروب، يلفت الدكتور علي الإدريسي إلى إمكانية الاعتماد على آليات بديلة أقل تكلفة دون المساس بالجودة، مثل التوسع في التعليم الإلكتروني واستخدام التكنولوجيا الحديثة التي تخفض الأعباء التشغيلية للبنية التحتية، بما يساعد على ضمان استمرار الخدمات دون إرهاق الموازنة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء