عنبر: العقوبات على الدول المتعاملة مع روسيا أخطر تصعيد اقتصادي|فيديو
قال الدكتور محمود عنبر، أستاذ الاقتصاد، إن الملف الاقتصادي الدولي شهد خلال الأيام الأخيرة، تطورًا لافتًا بعد بدء الكونجرس الأمريكي إعداد مشروع قانون جديد، يفرض عقوبات اقتصادية على أي دولة تتعامل تجاريًا مع روسيا، في خطوة تعد من أخطر التصعيدات الاقتصادية، منذ الحرب الروسية الأوكرانية، لما تحمله من تأثيرات متشابكة قد تطال التجارة العالمية، وأسواق الطاقة، والاستثمار الدولي.
القرار الأمريكي لا يمكن النظر إليه كإجراء ثنائي
وأضاف عنبر، خلال مداخلة هاتفية، على فضائية اكسترا لايف، أن القرار الأمريكي المرتقب لا يمكن النظر إليه كإجراء ثنائي يخص الولايات المتحدة وروسيا فقط، بل كخطوة توسع دائرة الصراع الاقتصادي على حساب استقرار النظام التجاري الدولي، وسيُعمّق حالة الضبابية وعدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي منذ ظهور جائحة كورونا، ثم اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بموجات العقوبات المتبادلة بين القوى الاقتصادية الكبرى، ويتابع موضحًا، أن التداعيات لن تتوقف عند حدود الأطراف المتصارعة، بل ستطال دولًا غير منخرطة في الأزمة، خصوصًا الدول النامية التي تمتلك أقل قدر من المرونة في مواجهة الصدمات الاقتصادية العالمية.
وأشار إلى أن العقوبات الاقتصادية عادة لا تُحدث تأثيرًا سياسيًا مباشرًا، كما تتوقع الأطراف الفارضة لها، بل تؤدي في الغالب إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة ونقص الإمدادات عالميًا، وهو ما يدفع المستثمرين للهروب نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب، مما ينعكس بتباطؤ كبير في الاستثمارات الإنتاجية، محذرًا من أن استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع تكلفة السلع والمنتجات الصناعية، وهو ما سينعكس على المستهلكين والدول الفقيرة بشكل أكثر قسوة.
موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي
وأوضح أن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي، بل ستستخدم أوراقها الاقتصادية المتاحة، وعلى رأسها الطاقة، باعتبارها تمتلك ميزة نسبية قوية فيها، حيث ستتجه إلى خطوات أكثر اتساعًا من الاعتماد على الطاقة فقط، عبر بناء تحالفات اقتصادية موازية وتعزيز التبادل التجاري بعملات غير الدولار، ما يسرع التحولات في الخريطة الاقتصادية العالمية.
معالجة الوضع لا يمكن عبر جهود منفردة
وأكد أستاذ الاقتصاد، أن معالجة هذا الوضع لا يمكن أن تأتي عبر جهود منفردة من دولة أو تكتل اقتصادي واحد، بل تتطلب تحركًا دوليًا منظمًا تحت مظلة الأمم المتحدة، لوضع إطار دولي يجرم استخدام الاقتصاد والعقوبات التجارية بطريقة تعسفية أو كسلاح سياسي، مشبهًا استخدام الاقتصاد كسلاح بالعقوبات النووية، مؤكدًا أن تأثيره قد يكون أكثر انتشارًا ودمارًا، خصوصًا للدول النامية التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على استيراد الغذاء والطاقة من روسيا ودول مشابهة.
وتوقع الدكتور محمود عنبر، إن الولايات المتحدة قد لا تتمكن من الاستمرار طويلًا في هذه السياسة، خصوصًا في ظل عدم وجود نتائج اقتصادية إيجابية ملموسة للعقوبات السابقة، سواء ضد روسيا أو الصين أو دول أخرى، مشيرًا إلى أن العالم يشهد الآن تحولًا واضحًا نحو نظام اقتصادي متعدد أو ثنائي الأقطاب، مما يضعف قدرة واشنطن على التحكم المنفرد في قواعد الاقتصاد العالمي كما كان في السابق.
مواجهة اقتصادية عالمية واسعة
وحذر من أن الخطوة الأمريكية الجديدة قد تفتح الباب أمام مواجهة اقتصادية عالمية واسعة، فروسيا ليست فقط قوة طاقة، بل شريك تجاري رئيسي في الغذاء والمواد الخام، خصوصًا للدول النامية، وأي تعطيل لهذه السلاسل قد يقود إلى مجاعة أو انهيار اقتصادي في بعض الدول الهشة، كما أن استمرار الضغط الاقتصادي قد لا يؤدي إلى تهدئة الصراعات، بل ربما يدفع العالم نحو حرب عالمية ثالثة بصيغة اقتصادية ، لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بل أدوات أكثر تأثيرًا على حياة الشعوب واستقرار الأسواق.

