كيف خطف «البلوجرز» الأضواء من المثقفين؟.. كتاب «صناعة المؤثرين» يجيب
مقطع مصور يُظهر وجه شخصٍ واحد يتحدث في مختلف الموضوعات، ويبدي رأيه فيها دون إشارة إلى شهادته الجامعية أو تخصصه العلمي، وبقدر ما يملك ذلك الشخص من عوامل الجذب في الإلقاء أو التصوير أو تنظيم المحتوى، ينجذب المشاهدون إليه تباعًا حتى يتكون لديه جمهورٌ كبير بقوامٍ مليونيّ.. هكذا بدأت صناعة المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي ثم انتعشت في مجتمعٍ كان مهيّئًا للانفتاح على نوعية جديدة من الثقافة والإعلام، حتى أصبح الجمهور الذي كان يلتف حول الكاتب والمفكر والشاعر، ينجذب اليوم إلى المؤثر الذي يطل عبر شاشة هاتفه كل بضع دقائق.
انقلاب المنصات على الرموز الثقافية
باحثة علم الاجتماع الأمريكية، إيميلي هوند، ركزت في كتابها «صناعة المؤثرين على وسائل التواصل»، على تفكيك ظاهرة انتشرت بين فئة كبيرة من الأطفال والمراهقين، وهي الالتفاف حول المؤثرين عبر شاشات الهاتف، إذ لم تكن المسألة مجرد أشخاص يرقصون على «تيك توك» أو يتقنون الحديث عبر «إنستجرام»، بل كانت صناعة عالمية تُقدَّر بمليارات الدولارات، ومشهدًا ثقافيًا وسياسيًا ذا بعدٍ اقتصادي يعاد تشكيله.
بدأت القصة، كما ترويها هوند في كتابها، قبل أكثر من عقد، حين فقد ملايين الأمريكيين وظائفهم بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين وجد المبدعون والمهنيون أنفسهم فجأة خارج سوق العمل التقليدية، يتنقلون بين منصات اجتماعية ناشئة بحثًا عن جمهور أو فرصة أو مجرد مساحة للتعبير، وفي الوقت ذاته كانت الصحافة، التي لطالما كانت بوابة المبدعين، تخسر بريقها، من قبيل: وظائف أقل، أجور أدنى، وإعلانات تتدفق نحو أماكن جديدة أكثر فاعلية، فانتقل كل من لديه حلم بالوصول إلى الجماهير إلى المدونات أولاً، ثم إلى قنوات التأثير التي تحولت سريعًا إلى بديل جذاب لهم.
الجذور الفكرية للتأثير من منظور العلوم الاجتماعية
مع صعود تيار المؤثرين والباحثين عن الشهرة، تهافتت شركات التسويق على استغلال المقبلين على المجال الجديد، وبدأت الجهات الراعية والتقنيين، ومنصات التواصل نفسها، تتقاسم الأرباح من المشاهدات، وبينما ارتفع شأن هؤلاء المؤثرين، كان الكثير من الخبراء ينظر إليهم بريبة أو حتى ازدراء، مستندين إلى إرث ثقافي يربط مفهوم التأثير بالجنس، فتلك الصناعة في بنيتها تعتمد على النساء بصفتهن متسوقات داخل المنزل، ورغم تغير الزمن والاقتصاد، ظلّ الاستهلاك مرتبطًا بالأنوثة، وبقيت المساهمات الجادة للنساء في السياسة والاقتصاد مخفية خلف هذا القالب الجذاب بصورته الجميلة.
«عندما دخلت وسائل التواصل الاجتماعي تحول العالم فجأة، أصبح الطريق إلى الشهرة مفتوحًا للجميع، بما في ذلك الأشخاص الذين كانوا خجولين أو مهمشين، وتحولت المنصات إلى وثائق يومية للحياة الخاصة، فيما تراجعت أصنام الإنتاج من رجال الأعمال والساسة إلى الصف الخلفي، لحساب تقدم أصنام الاستهلاك، وهم مؤثرون يتحدثون عن تفاصيل يومهم، عن منازلهم، أزيائهم، وجباتهم، وأسلوب حياتهم، فأصبح الاهتمام هو العملة الحقيقية، وصار النادر والمطلوب في عالم يفيض بالمعلومات، هو عيون الناس ووقتهم»، تقول إيميلي هوند عبر كتابها.
جدل الأصالة وتسليع الذات
وسط هذا الحراك الجديد ضاع المفهوم التقليدي للثقافة وانتقلت المكانة الاجتماعية من الفنانين في مختلف المجالات إلى من تحول مسماهم إلى «بلوجرز» و«تيك توكرز» وغيرها من المصطلحات الدخيلة على الوعي الجماعي، منذ قررت شركة «Klout» قياس شيء كان يبدو مستحيلًا، وهو تأثير كل شخص على الإنترنت، عبر خوارزمية تفحص بيانات «تويتر» وقتها، وتضع درجات للمستخدمين، وتقدم امتيازات لمن يحصلون على نقاط عالية، مرسخةً بذلك فكرة أن الشخص العادي يستطيع تحقيق دخل من متابعيه، وأن التسويق الشفهي القديم يمكن رقمنته بالكامل بما يصنع القيمة ويضفي مكانةً اجتماعية جديدة على الناس.