التصميم المعماري للمتحف المصري الكبير.. رحلة بصرية بين التاريخ والحداثة
لم يأت مشروع المتحف المصري الكبير من فراغ، بل هو ثمرة رؤية حضارية وضعت ملامحها الأولى في أواخر عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، قبل أن تتعثر لسنوات بسبب تحديات سياسية واقتصادية متلاحقة. ومع تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي، استعاد المشروع زخمه ليستكمل طريقه نحو الافتتاح، مُعلنًا ميلاد أكبر متحف في العالم مخصّص لحضارة واحدة: حضارة المصريين القدماء.
ويُعد الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، الأب الروحي للفكرة؛ إذ تبنّى منذ التسعينيات حلم إنشاء متحف يليق بثقل التراث المصري، ويقدّم “هدية مصر للعالم” في قالب معماري وثقافي غير مسبوق. ومن خلال مسابقة دولية شارك فيها مئات من كبار المعماريين، وُلد التصميم الفائز ليجمع بين روح المكان على هضبة الجيزة وقربه من الأهرامات، وبين فلسفة معمارية عصرية تحتفي بالعظمة والبساطة في وقت واحد.
فلسفة التصميم: عظمة تنساب في بساطة
يرتكز التصميم المعماري للمتحف على إحياء الشعور بالهيبة التي تتمتع بها المنشآت الثقافية الكبرى حول العالم. فعلى الرغم من انسيابية الخطوط الهندسية وبساطة التفاصيل، يشعر الزائر منذ دخوله بروح الفخامة وجلال المكان.
وقد صيغت الواجهة من الحجر الجيري والزجاج بألوان تحاكي رمال الصحراء المصرية، فيما تعكس الأسطح الزجاجية مثلثات مستوحاة من هندسة الأهرامات، مانحة الواجهة طابعًا مصريًا أصيلًا بنَفَس معاصر.
الفكرة الهندسية: المتحف على خط الأهرامات
استند التصميم إلى رؤية عبقرية تستلهم الهندسة المصرية القديمة؛ إذ رسم المعماريون ثلاثة خطوط وهمية من رؤوس الأهرامات لتلتقي في نقطة تبعد 4 كيلومترات، ليُبنى المتحف على امتداد هذه الخطوط.
وهكذا تحوّل المبنى إلى جسر بصري يربط الماضي بالحاضر، مستقرًا بين الأهرامات الخالدة والقاهرة الحديثة، على مساحة شاسعة تتجاوز 480 ألف متر مربع.
رحلة الزائر: عبور من الزمن إلى الخلود
تبدأ التجربة داخل “البهو العظيم” حيث يستقبل تمثال رمسيس الثاني – بارتفاع 12 مترًا – الزوار في مشهد يختزل قوة الحضور التاريخي.
ومن خلفه، يمتد “الدرج العظيم” بطول 64 مترًا، تصطف على جانبيه تماثيل ملوك مصر القديمة، لتحكي كل درجة فصلًا من فصول الحضارة المصرية.
ويصل الزائر في نهاية الرحلة إلى شرفة زجاجية تُطل مباشرة على الأهرامات الثلاثة، في مشهد بانورامي يعيد ربط الرحلة البصرية بجذور الحضارة.
مؤسسة حضارية وعلمية متكاملة
لم يُرد القائمون على المشروع متحفًا للعرض فقط، بل مركزًا عالميًا للبحث والترميم. لذلك جرى إنشاء معهد علمي ضخم يضم 19 معملًا متخصصًا تحت سطح الأرض، التزامًا بالمشهد البصري للمتحف، وحمايةً للمنشآت من الزلازل والتغيرات المناخية.
ويضم المتحف إلى جانب قاعاته المتطورة، حديقة أثرية نادرة، ومركز مؤتمرات دوليًا، ومتحفًا للأطفال، فضلًا عن مناطق تجارية وخدمية تستوعب الزوار من مختلف أنحاء العالم.
استدامة بمعايير عالمية
ورغم المساحة الهائلة التي تعادل 70 ملعب كرة قدم، رُوعي في تصميم المتحف تطبيق أحدث تقنيات الاستدامة.
إذ يسمح التصميم بدخول ضوء الشمس وفق زوايا مدروسة تحافظ على القطع، مع استخدام زجاج مقاوم للأشعة فوق البنفسجية، وفتحات تهوية تقلل درجة الحرارة دون الاعتماد الزائد على الطاقة. وتتكامل هذه العناصر مع أنظمة ذكية لضبط الحرارة والرطوبة بما يضمن الحفاظ على الآثار وراحة الزوار.
المسلة المعلقة.. ابتكار يسبق العالم
من أبرز معالم المتحف “المسلة المعلقة”، الأولى من نوعها عالميًا، المعروضة في ساحة واسعة أمام المدخل الرئيسي. وتُرفع المسلة على قاعدة تتيح للزوار رؤية خرطوش الملك رمسيس الثاني من أسفلها، في تجربة عرض فريدة لم تُقدَّم من قبل.
تحديات ثلاثة عقود.. من الفكرة إلى الإنجاز
واجه المشروع منذ انطلاقه تحديات هندسية وجيولوجية كبيرة، بداية من تهيئة التربة غير الصالحة للبناء، مرورًا بتسوية وادٍ كان يمر أسفل الموقع، وصولًا إلى بناء حائط منكورع بعمق 35 مترًا باستخدام تقنيات حفر وصب دقيقة.
كما مر المشروع بفترات توقف عدة بسبب الظروف السياسية والاقتصادية، ثم جائحة كورونا، قبل أن تعود الدولة وتستأنف العمل بإصرار لاعتباره “واجهة مصر الحضارية”.
صرح يعيد وصل الماضي بالحاضر
لا يقدّم المتحف المصري الكبير مجرد عرض للآثار، بل يصوغ تجربة حضارية متكاملة تدمج فلسفة المصريين القدماء مع تقنيات العصر الحديث. ومع اكتماله، يصبح المتحف شاهدًا على قدرة مصر على تحويل تاريخها الخالد إلى تجربة حيّة تلهم الأجيال وتضع الحضارة المصرية في قلب المشهد الثقافي العالمي من جديد.