لم أندهش أو أبْدِ تعجبًا من بيان الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن ما شهدته بعض الدوائر الانتخابية من تجاوزات؛ فذلك ليس غريبًا على الرئيس.
تذكّر معي حين صمد في وجه محاولات تهجير أهل غزة، وحين وقف بثبات أمام التحديات الإقليمية الملتهبة، وحين أمسك بمشرط الجراح الماهر ليعالج وطنًا كاد أن ينهار بفعل خفافيش الظلام والإرهاب وتكالب بعض القوى المعادية.
غير أنّ الجراحة نجحت، وخرج الوطن من غرفة الإنعاش ليتنفس الحرية، ويشق طريقه بثبات نحو الجمهورية الجديدة.. كل تلك التحديات الجسام دفعتني إلى توقّع تدخل الرئيس في التوقيت المناسب لضبط البوصلة، وإعادة توجيهها نحو إرادة الشعب.
بيان الرئيس لم يكن بيانًا عابرًا، ولا مجرد تعليق رسمي على واقعة انتخابية. كان بيانًا أشبه بجرس إنذار، ورسالة طمأنة، وإعلان مبادئ في وقت واحد. بيانٌ وضع النقاط فوق الحروف، وأعاد ترتيب المشهد الانتخابي على قاعدة واضحة: رضا الله أولًا… ثم احترام إرادة الشعب… ثم حماية الدولة من أي انحراف أو تجاوز.
حدّد الرئيس السيسي بوصلة التعامل مع الأحداث بقوله: “أن تتخذ القرارات التي ترضي الله سبحانه وتعالى”. وهي عبارة تحمل ثقلًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يصدر إلا عن قائد يدرك خطورة المرحلة، ويعي أن مصداقية الدولة تبدأ من عند صناديق الاقتراع.
أكد الرئيس أن “الهيئة الوطنية للانتخابات” هي صاحبة الولاية الكاملة في التحقيق والفصل، ومع ذلك لم يقف عند حدود الإحالة، بل قدّم توجيهًا مباشرًا للهيئة برفع مستوى التدقيق إلى أقصى درجاته، وأن يكون معيار الحكم الوحيد: إرادة الناخبين الحقيقية دون زيادة أو نقص.
أراد الرئيس أيضًا أن يرسّخ قاعدة مهمة للمستقبل: "الدولة القوية لا تخجل من الاعتراف بوجود تجاوزات، بل تواجهها وتصحّح المسار، وتحافظ على شرف العملية الانتخابية بوصفها ركيزة الشرعية السياسية".
لم يترك الرئيس مساحة للبس أو التأويل؛ فقد فتح الطريق أمام الهيئة لتتخذ ما تراه صوابًا، حتى لو اقتضى الأمر إلغاء مرحلة كاملة أو إلغاء نتائج دوائر محددة وإعادتها. وهي رسالة واضحة تؤكد أن التمثيل النيابي يجب أن يكون نزيهًا بلا شبهة، صافيًا بلا شوائب، واضحًا بلا رمادية.
أما النقطة الأكثر أهمية – في تقديري – فكانت تطرّق الرئيس إلى مخالفات الدعاية الانتخابية، في دلالة على أن المعركة ليست في الصناديق فقط، بل في سلوك الطريق المؤدية إليها. فلا ديمقراطية بلا قواعد، ولا منافسة بلا ضوابط، ولا دولة تحترم نفسها دون رقابة صارمة ومحاسبة لكل من يحاول الالتفاف على القانون.
إن البيان يشكل لحظة فاصلة في تاريخ الحياة السياسية الحديثة في مصر. بيان يعيد الانضباط للمشهد الانتخابي، ويؤكد أن الجمهورية الجديدة لا تقبل إلا الشفافية والانضباط والعدالة. رسالة واضحة للداخل والخارج بأن مصر لا تسمح بالمساس بشرف العملية الانتخابية، ولا تقبل أن يتسلل المغرضون أو أصحاب النفوذ أو “سماسرة السياسة” إلى قلب العملية الديمقراطية.
قالها الرئيس السيسي بوضوح: “تحيا مصر”… ليس مجرد شعار، بل عهدٌ بأن تبقى هذه الأرض قوية وعادلة، وأن تظل الدولة واقفة على ساقين من النزاهة والشفافية، مهما اشتدت المنافسة أو ارتفعت الأصوات.