رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إمبراطورية المدارس الخاصة.. خبراء: قانون خاص يحكمها والوزارة تتحرك متأخرة

وزير التربية والتعليم
وزير التربية والتعليم

تفاقمت أزمة المدارس الخاصة في مصر خلال السنوات الأخيرة لتتحول من مؤسسات تعليمية إلى كيانات منفلتة تعمل بقانونها الخاص، بعيدًا عن الرقابة والمحاسبة، ومع كل عام دراسي جديد تتجدد شكاوى أولياء الأمور من ارتفاعات عشوائية في المصروفات، وتجاوزات في التعيينات، ومرتبات متدنية للمعلمين، وغياب كامل للحد الأدنى للأجور، وسط صمت أو بطء في تدخل وزارة التربية والتعليم، وبينما يدفع أولياء الأمور “فاتورة” الانفلات، يعاني المعلمون والعاملون من استغلال وقُصور رقابي مستمر، جعل المدارس الخاصة أقوى من الوزارة نفسها، وفق رأي عدد من الخبراء.

وفي ظل هذا الوضع المختل، ترتفع الأصوات مطالبة بتقنين حقيقي يفرض الانضباط والعدالة على قطاع يضم نحو 3 ملايين طالب، ويحقق أرباحًا ضخمة دون التزام يذكر بقواعد التشغيل أو حقوق العاملين، ويرى خبراء تربويون أن الأزمة ليست وليدة اليوم، بل نتيجة تراكمات طويلة لوزراء لم يقتربوا من ملف المدارس الخاصة، إلا بعد وقوع كارثة أو انفجار غضب مجتمعي، لتتحول الوزارة بحسب وصفهم إلى جهة "رقابة لاحقة" لا تتدخل إلا بعد فوات الأوان.

خبراء: المدارس الخاصة تتجاوز القانون.. والوزارة لا تتحرك إلا بعد وقوع الأزمة

قال الدكتور محمد كمال، الخبير التربوي وأستاذ مساعد القيم والأخلاق بجامعة القاهرة، إن المدارس الخاصة تخضع بالفعل لإشراف مالي وإداري من وزارة التربية والتعليم، ولكن بشكل غير مباشر، عبر الرقابة على تطبيق القوانين واللوائح والقرارات الوزارية. 

وأضاف في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أن عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور في كثير من المدارس الخاصة يُعد مخالفة صريحة تستوجب تدخل الوزارة، مشيرًا إلى أن بعض المدارس تتحايل على ذلك بإجبار المعلمين على توقيع عقدين: أحدهما يطابق الحد الأدنى، والآخر بالراتب الفعلي المتدني.

وأوضح كمال أن هذه الممارسات تمتد لكل العاملين داخل المدارس الخاصة، حيث تتدنى الرواتب وتضيع الحقوق نتيجة “كثرة العرض وندرة الطلب” على حد وصفه. واقترح أن تضع الوزارة عقدًا نموذجيًا إلزاميًا لجميع المدارس الخاصة يتم تطبيقه عند التعيين، مع تفتيش دوري للتأكد من وجود العقود الفعلية للمعلمين والموظفين.

ولفت إلى أن التعليم الخاص يعاني أزمة رقابية أصيلة، مضيفًا: “نحن نعمل بنظام الرقابة اللاحقة لا السابقة. الوزارة لا تتحرك إلا بعد وقوع مشكلة، وهذا يفتح الباب لتلاعب واسع، خاصة في الرسوم الدراسية التي ترتفع بنسب مخالفة للنسب المقررة.”

ضعف المتابعة أو التواطؤ في بعض الإدارات

وأكد  الخبير التربوي أن ضعف المتابعة أو التواطؤ في بعض إدارات التعليم الخاص يؤدي إلى تفاقم المخالفات، مشددًا على ضرورة وجود رقابة مستمرة وعقوبات واضحة في حدود القانون، إلى جانب رقابة على المديريات نفسها من قبل الوزارة.

كما شدد كمال على أن دور الوزير ليس المرور بنفسه على المدارس لمتابعة الانضباط أو المصروفات، فهذه مهام الإدارات فالمديريات، بينما دور الوزارة يتركز في التخطيط والرقابة العليا. لكنه أشار إلى أن التقارير الرسمية غالبًا “لا تعكس الحقيقة” إمّا بسبب الإهمال أو التواطؤ.

واختتم مؤكداً أن الوزراء السابقين لم يتخذوا إجراءات حقيقية ضد التلاعب في التعليم الخاص، باستثناء تجارب محدودة، وأن الوزير الحالي يتحرك على الأرض بشكل أكبر، وزياراته المفاجئة تفرض حالة انضباط مؤقتة في بعض المدارس.

أولياء الأمور: المدارس لها قانونها الخاص ولا رقابة على المصروفات أو المرتبات

من جهتها، قالت أميرة يونس، مؤسسة جروب “مصر والتعليم”، إن أغلب المدارس الخاصة تعمل بقانونها الخاص الذي يضعه صاحب المدرسة، موضحة أن كل مدرسة تختلف عن الأخرى في طريقة الإدارة، وفي كثير من الأحيان “لا تجد من يوقفها عند حدودها”.

وأشارت إلى أن مرتبات المعلمين أقل من الحد الأدنى للأجور في أغلب المدارس، بينما العمالة تعمل برواتب تُجمع من أولياء الأمور وليس من ميزانية المدرسة. وأكدت أن المدارس الخاصة لا تلتزم بالقرارات الوزارية الخاصة بالمصروفات أو الأنشطة أو الباصات أو الزي المدرسي، وترفع الأسعار سنويًا كما يحلو لصاحب المدرسة دون رقابة فعلية.

المدارس الخاصة تحتاج إلى تفعيل أدوات الرقابة

قال الدكتور تامر شوقي، الخبير التعليمي وأستاذ علم النفس التربوي، إن المدارس الخاصة تلعب دورًا مهمًا في التعليم المصري وتستوعب فئة كبيرة من الطلاب، مما يخفف العبء على المدارس الحكومية، كما أنها تتيح بعض المميزات منها تقليل الكثافة في المدارس الحكومية، وتوفير فرص عمل كثيرة للمعلمين بدلًا من انضمامهم لـ "طابور البطالة

وأشار الخبير التربوي إلى أن الكثير من المدارس الخاصة تقدم أنماطًا من التعليم الجيد، لكن مشكلات المدارس الخاصة لا يجب تعميمها، وقد تكون هناك مدارس مخالفة، وهذا لا يمكن إنكاره، وقد يكون عددها ليس بالقليل، وليس لدينا حصر بأعدادها.

 

المدارس الخاصة: مشروع تجاري يتهرب من الرقابة

في كافة الأحوال، تسعى بعض المدارس الخاصة إلى تحقيق ربح مالي، لأن الكثير من أصحاب المدارس ينظرون إليها على أنها مشروع تجاري يُدِر عائدًا ماليًا بغض النظر عن القيمة التربوية للمدارس التي يمتلكونها.

ويقومون برفع المصروفات الدراسية، ورغم أن وزارة التربية والتعليم حددت سقفًا للمصروفات، إلا أن أصحاب المدارس الخاصة يتحايلون على هذه القرارات من خلال:

فرض رسوم إضافية على الطلاب خارج إطار المصروفات الرسمية المعتمدة من وزارة التربية والتعليم.

فرض رسوم إضافية على أنشطة أو تصميم ما يسمى بـ "بوكليت تعليمي" أو مصروفات الباص أو خلافه، وهي أمور غير مرئية لوزارة التربية والتعليم.

مشكلة الاستعانة بـ "غير التربويين"

انتقل الخبير التربوي إلى مشكلة الاستعانة بـ معلمين غير تربويين، فرغم أن الوزارة تحتم ضرورة أن يكون المعلمون حاصلين على مؤهلات تربوية أو دبلومات تربوية، إلا أن العاملين بالتدريس في هذه المدارس يتحايلون على قرارات الوزارة من خلال الطلب من المعلمين الإتيان بأي شهادة تربوية قد تكون غير معترف بها من قبل الوزارة أو الجامعات، وقد تكون عبارة عن دورة تدريبية لمدة شهر مثلاً في أماكن مجهولة.

وهذا يؤدي إلى تأثير نفسي سلبي على الطلاب من حيث:

افتقاد المعلمين القدرة على التعامل النفسي والتربوي السليم مع الطلاب.

عدم امتلاكهم المعارف النفسية والتربوية في التعامل مع الطلاب في مراحل نمو مختلفة.

نشوء العديد من المشكلات داخل هذه المدارس نتيجة عدم قدرة المدرسين على التعامل السليم مع الطلاب.

أيضًا، هناك مشكلات أخرى تظهر من معلمي هذه المدارس غير المتخصصين، منها:

عدم القدرة على تقييم الطلاب بشكل تربوي سليم.

عدم إجادة مهارات وضع الاختبارات ومهارات التطوير السليمة.

عدم إجادة مهارات صياغة الأهداف التعليمية.

ويضاف إلى ذلك مشكلات أخرى، منها مشكلة الضغط على أولياء الأمور في المصروفات مثلما حدث في واقعة التلميذة ضحية مدرسة التجمع.

مطالبة بتفعيل أدوات الرقابة والعقوبات

طالب الخبير التربوي وزارة التربية والتعليم بتفعيل أدوات الرقابة على هذه المدارس من خلال إدارة التعليم الخاص والدولي بالوزارة، فضلًا عن وجود قسم للتعليم الخاص في كل إدارة تعليمية. وبالتالي، المطلوب هو تفعيل أدواتهم في الإشراف على مدارس كل إدارة تعليمية و:

وضع المدارس المخالفة تحت الإشراف المالي والإداري لمن يخالف التعليمات.

مراقبة هذه المدارس جيدًا والإنصات الجيد لمطالب وشكاوى أولياء الأمور.

التحقق من الشكاوى المتعلقة بـ المصروفات المبالغ فيها أو الاستعانة بمعلمين غير مؤهلين أو التعامل غير الآدمي مع الطلاب أو عدم وجود أخصائيين نفسيين.

استكمال النقص في كوادرها، وإلا فُرضت عليها عقوبات قد تصل إلى غلق المدرسة

خبير تربوي: أصحاب المدارس الخاصة أقوى من وزير التعليم

أما الخبير التربوي مجدي حمز، فأكد أن تجنب الوزارة التصدي لملف المخالفات في المدارس الخاصة يعني أن “أصحاب المدارس أقوى من وزير التربية والتعليم”، مشيرًا إلى أن اتخاذ إجراءات صارمة ضد المدارس المخالفة شبه غائب، باستثناء حالات فردية مثل مدرسة نيو كابيتال التي وُضعت تحت الإشراف المالي والإداري.

وأضاف حمز أن رواتب المعلمين في أغلب المدارس الخاصة متدنية للغاية، وبعضها لا يوظف معلمين متخصصين بسبب ضعف الرواتب، بل تستعين بحاصلين على دبلومات غير تربوية، وتابع: “في الإجازة لا يحصل كثير من المعلمين على رواتب، وبعض المدارس تجبرهم على توقيع عقود تحرمهم من حقوقهم المادية عند ترك العمل.”

 

وأشار إلى أن (مربيات الأطفال) يعشن أوضاعًا اقتصادية صعبة للغاية، حيث يحصل معظمهن على رواتبهن من “هبات” أولياء الأمور فقط دون راتب ثابت من المدرسة.

وأكد حمز أن غياب المسار العقابي شجع المدارس الخاصة على رفع المصروفات بشكل مبالغ فيه وصل في بعض المدارس إلى 40%—ومخالفة تقسيم دفعات السداد، وحرمان الطلاب من الامتحانات في بعض الحالات، كما حدث في أزمة نيو كابيتال.

وأشار إلى أن وصف الوزير بأنه “وزير المدارس الخاصة” نابع من شعور أولياء الأمور بأن قراراته تخدم القطاع الخاص أكثر من التعليم الحكومي، مضيفًا أنه لم يتم اتخاذ خطوات جادة نحو تطوير المناهج أو مواجهة الدروس الخصوصية أو معالجة الكثافة الطلابية.

واختتم قائلاً: “من دون إجراءات جذرية تعيد الانضباط، لن يتغير شيء. التعليم الخاص أصبح بيزنس لا أكثر. والحل يبدأ برقابة حقيقية، وعقوبات حاسمة، ومعلم يحيا بكرامة.”

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء