حلة قرنين في البحث عن هوية المكان
بين وصف مصر وشخصيتها.. كيف رسم جمال حمدان خرائط الفكر والهوية؟
حين وضع علماء الحملة الفرنسية موسوعتهم الشهيرة، «وصف مصر» في مطلع القرن التاسع عشر، كانوا يرسمون أول محاولة حديثة لقراءة الشخصية المصرية من خلال المكان والتاريخ والبشر، وذلك لبناء صورة كلية لبلدٍ تتنوع فيه الحضارات وتتناغم فيه الجغرافيا مع الزمن، وبعد أكثر من قرن، جاء جمال حمدان ليعيد فتح هذا الباب، لكن بعمق أشمل ورؤية أكثر استقلالًا، واضعًا «شخصية مصر» في مصاف الأعمال التفسيرية الكبرى التي تسعى إلى فهم الأمة لا وصفها فقط، فبينما اكتفى وصف مصر بتقديم قراءة خارجية لمظاهر الحياة، قدّم حمدان مشروعًا فكريًا يقرأ مصر من الداخل، من طبقات أرضها إلى ملامح ناسها، ومن جذور هويتها إلى مستقبلها السياسي والجغرافي.
بين صناعة الإنسان وتنمية الاقتصاد.. رؤية حضارية يتناولها الكتاب
في الجزء الأول من المجلدات الأربعة للكتاب، قدّم جمال حمدان قراءة فريدة للجغرافيا المصرية، من حيث تضاريسها وصحاريها ووادي النيل الذي رآه شريان حياة لم ينقطع رغم تبدّل العصور، وفي الجزء الثاني، انتقل إلى الإنسان، محللًا شخصية المصري عبر التاريخ، وتكوينه الحضاري والاجتماعي والعمراني، كأنما يخيط خريطة بشرية تتقاطع مع خريطة الأرض.
أما الجزء الثالث فكان رحلة إلى ما وراء الظاهر الاقتصادي، الزراعة، الصناعة، الثروة المعدنية، والعلاقات الإقليمية، خصوصًا العربية منها، ليُظهر مصر ككيان اقتصادي استراتيجي له شبكته المعقدة من الروابط، ثم يأتي الجزء الرابع، الذي يمكن اعتباره ذروة العمل، حيث قدّم رؤية حضارية لدور مصر عبر التاريخ وقدرتها على التأثير الإقليمي والدولي، واضعًا موقعها الجيو استراتيجي في قلب التحليل، وواصفًا إياها بأنها «أمة وسطى» تنفتح على ثلاث حضارات وثلاث قارات وثلاث دوائر ثقافية.
المطالع للكتاب يدرك أنه لم يقتصر على تقديم دراسة جغرافية بحتة، بل كان مزيجًا نادرًا جمع الجغرافيا بالتاريخ والعلوم السياسية والإنسانية والطبيعية، ليقدم تفسيرًا شاملًا للهوية المصرية، وقدرة المكان على صناعة الزمن، لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بعض أفكار حمدان إلى مقاربات استراتيجية يرى فيها أن التعمير، خاصةً في المناطق الخالية مثل سيناء ليس مجرد مشروع تنموي، بل ركن أساسي في بناء القوة الوطنية، مشدّدًا على خطورة الأطماع الصهيونية في سيناء، ومحذرًا من مخططات لم تكن وقتها واضحةَ المعالم كما هي اليوم.
خلاف حول تعامل المؤسسات الثقافية مع مشروعه
رغم هذه القيمة العلمية والفكرية، فإن علاقة مشروع حمدان بالمؤسسات الثقافية الرسمية في مصر ظلت موضع جدل طويل، فهناك من يرى أن وزارة الثقافة لم تستوعب مشروعه كما يجب، ولم تُعامله باعتباره «كنزًا استراتيجيًا»، بل تركته في زاوية معرفية لا تعكس حجمه الحقيقي. الكاتب الصحفي إلهامي المليجي كان من أبرز الأصوات التي انتقدت هذا التجاهل، مؤكدًا في تصريحات سابقة لموقع «إيجيبتك» أنه لو تولّى منصب الوزير لبدأ من حيث انتهى حمدان، انطلاقًا من قناعته بأن المفكر الراحل كان يقدم خرائط فكرية وهوية واستشرافًا للمستقبل، لكن الواقع الرسمي في رأيه، تعامل معها بتهميش وربما بنوع من التخوين الفكري.
وفي مقالٍ آخر له، اعتبر المليجي أن إدراج فكر حمدان في عمل الوزارة يجب ألا يكون مجرّد تكريم، بل استعادة بوصلة ضاعت وسط ضجيج السياسات اليومية، ودعا إلى إنشاء مركز للدراسات الجغرافية والاستراتيجية يحمل اسمه، وإدماج كتبه في المناهج الجامعية والثانوية، إضافةً إلى رقمنة مؤلفاته وإتاحتها للأجيال الجديدة، ولم يتوقف عند ذلك، بل طالب بإعادة فتح ملف وفاة حمدان كنوع من ردّ الاعتبار لعقل كبير لم ينل ما يستحقه من رعاية وطنية.
مبادرات خارج الإطار الرسمي
وعلى الرغم من هذا الفراغ المؤسسي، جاءت بعض المبادرات من خارج الوزارة، ففي سبتمبر الماضي، أعلنت دار الهلال عن مشروع ثقافي لإحياء تراث جمال حمدان، يتضمن دراسة جديدة لمؤلفاته من منظور عصري، كما خصّصت مجلة «الثقافة الجديدة» عددًا تذكاريًا لمناقشة أفكاره وأهمية موسوعته، بينما اتجه بعض الباحثين الأكاديميين إلى دراسة تأثير رؤيته على الثقافة والدراما المصرية، ومنهم من ربط بين «شخصية مصر» وأعمال الكاتب أسامة أنور عكاشة.
نهاية غامضة تثير الأسئلة
يُذكر أن جمال محمود صالح حمدان وُلد في 4 فبراير 1928، وأصبح لاحقًا واحدًا من أبرز علماء الجغرافيا في مصر والعالم العربي، وصاحب رؤية استراتيجية ربطت الجغرافيا بالهوية، والمكان بالتاريخ، والمستقبل بقدرة الأمم على قراءة خرائطها العميقة.
ترك عالم الجغرافيا الراحل سؤالا غامضا عن ملابسات وفاته، إذ انطلقت نظرية مفادها أنه دفع حياته ثمنًا لكتاباته التي انتقض فيها الصهيونية وكشفها على حقيقتها.