اليهود ليسوا بني إسرائيل.. أسرار كتاب جمال حمدان المتهم باغتياله
داخل شقة صغيرة بالدقي، تبين وفاة الدكتور جمال حمدان في إبريل 1993، عالم الجغرافيا الذي عاش حياته منزويًا في عالم من الخرائط والكتب والتحليلات، حتى ترك وراءه من الأسئلة ما فاق ما تركه من إجابات، إذ كان باحثًا فذًا ينبش دومًا بين الجذور، لا يكتفي بما يُقال، بل يفتّش عن الحقيقة مدعّمةً بالدليل، وبين كل ما كتب، ظل عمله حول اليهود واحدًا من أهم ما أثار الجدل والدهشة من مؤلفاتٍ تلاحقها علامات الاستفهام حتى اليوم.
تفاصيل كتاب اليهود
في دراسته المعروفة التي ظهرت في طبعات متفرقة ضمن أعماله، والمعنونة بـ «اليهود: أنثروبولوجيا»، قدّم حمدان طرحًا غير تقليدي في عالم البحث العربي، إذ كان يتعامل مع الموضوع بمنهج علمي صرف بعيدًا عن التوجه السياسي والانحياز الديني، فتجده يعود إلى الأنثروبولوجيا والتاريخ والجغرافيا البشرية ليصوغ رؤية تقول ببساطة إن اليهود المعاصرين، وعلى وجه الخصوص يهود أوروبا الشرقية المعروفين بالأشكناز، أو «يهود الخزر»، ليسوا أحفاد بني إسرائيل الذين تتحدث عنهم النصوص القديمة والكتب السماوية.
اعتمد جمال حمدان في بناء الفكرة على ركيزة علمية من دراسته الصفات الأنثروبولوجية للجماعات اليهودية، ومراجعة تاريخ دولة الخزر التركية التي اعتنق حاكمها وقادتها الديانة اليهودية في القرن الثامن الميلادي، ثم وضع ذلك كله بجوار التحليل الجغرافي السكاني لتوزّع اليهود وانتقالهم عبر العصور، وأمام هذا التراكم العلمي، خرج بتأكيدٍ مفاده: «اليهود جماعات متعددة السلالات لا تربطها وحدة عرقية حقيقية»، وأن «الدعوى العرقية بوصفهم شعبًا واحدًا ليست دقيقة».

كانت النتيجة المستخلصة من دراسته شديدة الوضوح، وربما شديدة الصدمة أيضًا بالنسبة للمتشددين من اليهود، لكن اللافت أن حمدان لم يكن وحيدًا في هذا الطريق، إذ ذهب قبلَه وبعده باحثون غربيون كبار إلى الفكرة ذاتها، مثل آرثر كوستلر في كتابه الشهير «القبيلة الثالثة عشرة»، وكذلك المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند في كتابه «اختراع الشعب اليهودي»، وكلاهما عملا على تفكيك السردية القائلة إن اليهود جماعة نقية العِرق ذات امتداد واحد عبر التاريخ.
رحيل يثير الأسئلة
لم يتوقف المشهد عند أفكاره وكتاباته، فبعد وفاته، بدأت أسئلة أخرى تحوم حوله، مثل: هل طارد الموساد جمال حمدان؟ هل حُورب بسبب ما كتب؟ هل دفع حياته ثمنًا لما توصل إليه؟
المؤكّد تاريخيًا قليل، لكن بحسب تقرير الشرطة، فنتجت الوفاة عن اختناق بسبب حريق محدود في المطبخ، أي أنه لم تصدر أي وثيقة رسمية، لا مصرية ولا دولية، تشير إلى أن الموساد كان يلاحقه أو هدده أو كانت له يد فيما حدث.
أما غير المؤكد، فهو ما امتلأت به الذاكرة الشعبية من روايات لا سند لها، مثل أن الموساد سرق مسودة كتابه الأخير عن اليهود والصهيونية، وأنه اغتيل لأنه اقترب من أسرار خطيرة قد تهدد روايات كبرى في المنطقة، وعلى الرغم من أن القصة تبدو مثيرة، لكنها تبقى بلا دليل يمكن أن يضعها على أرض من الحقيقة، فلا وثائق مسربة، ولا تصريحات رسمية، ولا حتى أوراق منسوبة إلى حمدان نفسه تشير إلى شعوره بالخطر أو مراقبته أو استهدافه.
ولذلك ظل المؤرخون، رغم تقديرهم الكبير لعقل الرجل وعمقه، يتعاملون مع تلك الروايات كاحتمالات أو ظنون لا يمكن إثباتها، خاصةً في غياب أي ملف أمني منشور أو دليل يدعمها، لتبقى قصته، مثل كثير من حياة العلماء الذين عاشوا بين العزلة والفكر، مفتوحةً على التأويل، دون أن تتجاوز حتى الآن حدود الحكايات المتداولة فقط.