450 مسرحية بلا صورة.. كيف أصبح الراديو منبر النجوم في الخمسينيات؟
خلال ستينيات القرن العشرين، كانت الإذاعة المصرية تحتل مكانةً فريدةً كمنبر ثقافي أساسي، رغم ظهور التلفزيون في مطلع العقد، ففي تلك الفترة لعبت الإذاعة دورًا محوريًا في نشر الدراما المسرحية، سواء من خلال البرنامج الثقافي المعروف بـ«البرنامج الثاني»، أو عبر برامج مخصصة للمسرح على أثير الإذاعة العامة، لتصبح بذلك قناة رئيسية لنقل الفنون الأدائية إلى الجمهور المصري.
الراديو كنافذة على المسرح
وبحسب مجلة «الكواكب»، أنتجت الإذاعة المصرية أكثر من 450 عملًا مسرحيًا منذ منتصف الخمسينيات، وتم إذاعتها خلال الستينيات وما بعدها، شملت هذه الأعمال روائع الأدب العالمي بمشاركة نجوم الصف الأول مثل زكي طليمات، زوزو نبيل، عمر الحريري، وعبد الرحمن أبو زهرة، لتشكل بذلك منصةً ذهبيةً للمواهب المسرحية وتاريخًا حيًا للفن في الإذاعة.
في دراسة تحليلية للدكتور سيد خاطر بعنوان «تاريخ الإبداع المسرحي»، جرت الإشارة إلى تراجع المسرح الإذاعي تدريجيًا في هذه الفترة، حين كانت الإذاعة وسيلة للتغلب على الاعتام الثقافي الذي صاحب فترات الحرب، لتُستخدم لبث الترفيه المسرحي إلى جمهور لم يكن قادرًا على حضور العروض المسرحية في القاعات التقليدية، ما جعلها جسرًا بين الفن والجمهور العريض.
على أن نقل المسرح إلى الأثير لم يكن سهلاً، إذ واجه الفنانون تحدياتٍ كبيرة، أبرزها صعوبة إدراك المستمع لتفاصيل العمل المسرحي مثل الديكور والإضاءة وحركات الممثلين، حتى أن بعض المستمعين شعروا بالارتباك عند سماع ضحكات الجمهور دون معرفة مصدرها، وللتغلب على هذه العقبة، تطورت أساليب التأذيع المسرحي عبر مرحلتين: الأولى اعتمدت على الراوي الذي يصف المشاهد للمستمع، والثانية تم فيها إعداد النصوص المسرحية خصيصًا للإذاعة بحيث دمجت الحوارات المكثفة والموسيقى والمؤثرات الصوتية، مع اختيار ممثلين بأصوات مناسبة للإذاعة، مما خلق تجربة درامية إذاعية قائمة على المحاكاة والإيهام.
مناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية
وشهدت الإذاعة خلال حقبة الخمسينيات أيضًا صعود برامج عدة ساهمت في استعادة الإرث المسرحي، من بينها برنامج «ندوة المسرح والسينما» على البرنامج الثقافي، من إعداد وتقديم الشريف خاطر، وبرنامج «دنيا المسرح» على إذاعة صوت العرب، الذي كانت تقدمه سميرة بدير وآمال علام، وكذلك «عالم المسرح» على الإذاعة العامة بتقديم سناء عاصم ثم أميمة حاتم، على أن هذه البرامج لم تقتصر على تقديم النصوص المسرحية فقط، بل ساهمت في بناء وعي مسرحي لدى جمهور لم يكن يزور المسرح التقليدي بانتظام.
أما الستينيات فمثلت حقبة ازدهار للمسرح المصري، إذ شهدت القفزة في مضمون العروض المرتبطة بالقضايا القومية والاجتماعية، وأشار الدكتور سيد خاطر في دراسته إلى أن المسرح نجح في التفاعل مع هموم الثورة السياسية والاجتماعية، وأن الفرق المسرحية، بما فيها المرتبطة بالدولة، تبنت موضوعات سياسية قوية من جهة التراث الثقافي والهوية، حيث استلهمت بعض الأعمال المسرحية رموزًا من التراث العربي والإسلامي، مثل الحسين والحلاج، للتعبير عن القيم الوطنية، والقضية التحررية، والصراع من أجل العدالة، مؤكدةً دور المسرح كأداة توعية وفنية في الوقت نفسه.