رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مشهد يتكلّم .. ومع ذلك يبقى الأمل مهمة وطنية

تبدو انتخابات مجلس النواب الحالية وكأنها نسخة جديدة من لعبة قديمة… واجهة ديمقراطية لواقعٍ لا يشبهها. لكن المختلف هذه المرة حقًا هو الأصوات القادمة من داخل «المعسكر نفسه»… أصوات من الذين كانوا دومًا في دائرة الموالاة، فإذا بهم يعلنون – صراحة أو مواربة – أن ما يحدث لا يمت بصلة لانتخابات حقيقية.


على الورق، لدينا تنافس انتخابي، وبرامج، ودعاية، ولافتات تملأ الشوارع. لكن في الواقع، لدينا سباق بلا منافسة،ومقاعد شبه محسومة سلفًا، ورغم ذلك لم تكن المفاجأة في عزوف الناس فقد اعتاد الناس على مشهدٍ لا يعوّلون عليه. كانت المفاجأة في احتجاجات المرشحين المقرَّبين من السلطة أنفسهم.


فلا يمكن تجاهل واقعة النائبة نشوى الديب، التي تكاد تكون العنوان الأهم لاضطراب المشهد، نائبة معروفة بقربها من الدولة وبخطابها الداعم للاستقرار، فإذا بها تجد نفسها خارج السباق بشكل أربك جمهورها قبل أن يربكها. والصدمة التي ظهرت في دوائرها وفي تعليقات متابعيها كانت كافية لتعكس أن ما جرى لم يكن مفهومًا، ولا طبيعيًا، ولا يتناسب مع الوزن السياسي لنائبة خدمت دائرتها لأعوام، مجرد خروجها بهذا الشكل ألقى بظلال ثقيلة على ثقة الناس في أن العملية لها قواعد ثابتة.


إلى جانبها، برزت حالات أخرى لمرشحين كانوا محسوبين – بل محسوبين جدًا – على الدولة، بعضهم أعلن انسحابه المفاجئ قبل أيام من الجولة، وآخرون أصدروا بيانات مقتضبة قالوا فيها إنهم «يرفضون استكمال المشهد لأسباب يحتفظون بها»، هذه العبارة المكررة «نحتفظ بالأسباب» لم تكن صدفة؛ كانت رسالة.


رسالة تعني أن ما يجب قوله لا يمكن قوله… وأن ما حدث داخل الغرف المغلقة أكبر من قدرة هؤلاء المرشحين على المواجهة أو الشرح.


الانسحاب هنا ليس تصرفًا عاطفيًا ولا لحظة غضب، إنه إعلان غير مباشر بأن «اللعبة غير عادلة»، وأن الترتيبات تجاوزت التنافس إلى حسم النتائج من خارج الصندوق، وحين يفعل ذلك مرشحون موثوقون لدى الأجهزة وذوو تاريخ من التعاون معها، فهذا يفضح حجم التوتر والخلل أكثر من أي نقد يأتي من المعارضة


ورغم كل ما سبق :
من ارتباك، وانسحابات، واعتراضات مكتومة، تبقى الحقيقة أن المشهد الانتخابي – مهما بدا خافتًا أو مرتبكًا – ليس فراغًا كاملًا. ففي كل دورة، وسط هذا الضجيج الصامت، تظهر وجوه قليلة تحمل كلمة حرة، وتواجه هذا الواقع بتجرؤٍ ما زال يثير التقدير.


في قلب هذا المشهد الذي فقد كثيرًا من خصائص التنافس، يصبح الدفع بعدد من المرشحين أصحاب المواقف الواضحة والكلمة الحرة ليس مجرد خيار، بل واجبًا وطنيًا على من يستطيع وعلى من ما زال يرى أن السياسة لم تمت بعد، وأن البرلمان – مهما ضعفت أدواره – ما زال ساحة يمكن أن يظهر فيها صوت مختلف، ولو محدودًا.

 

هؤلاء المرشحون حتى لو لم يغيّروا معادلات كبرى، فإن وجودهم ذاته يخلق توازنًا معنويًا داخل برلمان لا نتوقع منه الكثير، لكنه قد يستمد جزءًا من شرعيته من أصوات قليلة صادقة، لا تُشترى ولا تُدار بالريموت كونترول. مجرد عدد محدود من المقاعد تخرج عن السياق المرسوم يربك المشهد المألوف، ويفتح نافذة صغيرة في جدار سميك.


فالرهان ليس على برلمانٍ كامل… بل على بذور تزرع داخل حجر


وفي النهاية، في بلدٍ تُدار فيه الأمور «كما يجب» وفق حسابات معروفة، فإن مجرد ترشح شخصٍ حر هو فعل مقاومة، ومجرد دعمه هو فعل أمل.


وإذا بقي الأمل قائمًا – ولو على استحياء – فلا يزال من الممكن أن نرى داخل البرلمان القادم من يكسر الصمت، ويعيد التوازن ولو بقدر ضئيل… لأن البرلمان بلا أصوات حرة ليس سوى قاعة مغلقة بقفل واحد،وهكذا… حتى في مشهد «وكأنها انتخابات»، يظل الأمل ضرورة، والدعم واجبًا، والكلمة الحرة آخر ما تبقّى لنا لنتمسّك به.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء