ذكرى إعدام ماري أنطوانيت.. شرارة التقطها فيكتور هوجو في «ملائكة بين اللهب»
في مثل هذا اليوم من عام 1793 اقتيدت إلى المقصلة في ساحة الكونكورد الملكة ماري أنطوانيت، آخر ملكات فرنسا قبل الثورة، التي جاءت من فيينا لتجلس على عرشٍ يتهاوى ببطء، حيث وجدت نفسها بعد سنوات من البذخ والاتهامات والدعاية الثورية في مواجهة محاكمة سريعة أمام محكمة تابعها الشعب بترقبٍ رهيب.
إعدام الملكة.. اللحظة التي غيّرت وجه فرنسا
سقطت الملكية، وسُجن أفراد العائلة، وبإعلان الجمهورية الفرنسية، أُدينت الملكة بتهمة الخيانة والتآمر، قبل أن تنتهي رحلتها عند المقصلة في واحدة من اللحظات الأكثر حسماً في تاريخ البلد الأوروبي، والتي تناولها الكاتب الشهير فيكتور هوجو بعد ثمانية عقود ليكتب روايته الأخيرة «ملائكة بين اللهب» أو كما شاعت تسميتها في بعض الترجمات بـ«93».
في هذا العمل، يستعيد هوجو روح ذلك الزمن الذي تنفست فيه فرنسا نسائم الحرية لأول مرة، فيحوّله من سرد تاريخي إلى ملحمة إنسانية تتشابك فيها النار مع الرحمة، وصرامة العقيدة مع رأفة القلب، والثورة مع هشاشة البشر، فيفتتح الرواي باب حكايته على مشهد يختصر عالمه: ثلاثة بحارة جمهوريين هاربين يعثرون على ثلاثة أطفال تُركوا وحدهم في مركب صغير على ساحل بريطانيا العظمى، ووسط اللهب والمطاردة، يقرر الرجال إنقاذ الأطفال، في لفتةٍ إنسانية أراد الكاتب أن يضعها كإشارة أولى إلى أن الثورة، مهما اشتعلت، لا تُنهي وجود الملائكة بين لهيبها.
ومن ساحل البحر إلى شوارع باريس، يقف القارئ أمام وجهٍ آخر للثورة، وجهها الأكثر قسوة كما شاهدته ماري أنطوانيت نفسها قبل أشهرٍ من إعدامها، هنا تبرز شخصية جافانت، القائد الجمهوري النبيل، المثقف الذي يؤمن أن الثورة لا تُبنى بالدم وحده، بل بالإنسان أولاً، فيقف في مواجهته رجال شديدو التصلّب يرون الثورة آلة تطهير للفساد يجب ألا تتوقف، وفي خضم هذا التيار يظهر سيموردان، المعلم القديم لجافانت، فتجد أن الرجل يؤمن بأن الوطن أسمى من كل عاطفة، حتى وإن كان ذلك يعني سحق الابن الروحي الذي ربّاه.

الجمهورية المشتعلة حيث تتجسّد قسوة الأيام
على أن باريس ليست وحدها في هذا المشهد، ففي الفنديي غرب البلاد، تتقد حرب أهلية بين الجمهورية والملكيين، هناك ينهض ماركيز دي لانترناك، النبيل الذي يرفض أن يرى عالمه القديم يموت دون مقاومة، فيقدمه هوجو لا باعتباره شريراً، بل فارساً قديماً يقاتل دفاعاً عن قيمه، مهما بدت في حكم التاريخ منتهية الصلاحية، فتتحول المعارك إلى ساحة اختبار للضمائر، وتتصاعد المأساة حين يحاصر الأطفال الذين بدأوا الحكاية داخل برج مشتعل، وعلى الرغم من أن لانترناك مطلوب للجمهوريين، يعود لإنقاذهم، وفي تلك اللحظة، تتقاطع خطوط القصة مع صدى مصير ماري أنطوانيت نفسها، تلك اللحظة التي يُمتحَن فيها الإنسان أمام فكرة أكبر منه، اللحظة التي قد تقوده إلى حتفه لكنه لا يتراجع عنها.
إنقاذ الأطفال لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها الجديدة، أُلقي القبض على لانترناك، ووقف جافانت ليطلب معاملته بإنصاف، بينما أصرّ سيموردان على قطع الرحمة من جذورها، فحُكم على الماركيز بالإعدام، لكن جافانت قلب المشهد حين هرّبه من بابٍ سري يُفتح بديناميكية دقيقة داخل إحدى الجدران، وقَبِل أن يموتَ مكانه في مفارقة مأساوية تشبه تلك التي عاشتها فرنسا نفسها: ثورة تأكل أبناءها وتُعلي شعار الفضيلة حتى لو سقط أكثر الناس فضيلة تحت مقصلتها.

موت يكشف وجه الثورة الحقيقي
حين اكتشف سيموردان الحقيقة، وجد نفسه أمام ابنه الروحي الذي أحبّه، وأمام الواجب الذي كرّس حياته له، صادق على حكم الإعدام، وشاهد جافانت يُقطع رأسه في لحظة تعجز الكلمات عن وصف ألمها، وما إن سقطت الرأس حتى أطلق سيموردان النارَ على صدره، غير قادرٍ على جمع قلبه مع مبادئه في جسدٍ واحد.
بهذا المشهد ينهي فيكتور هوجو روايته المأساوية كما انتهت مرحلة كاملة من تاريخ فرنسا، برأسين يتساقطان في ساحة الثورة، أحدهما لرجل أعطى حياته إيماناً بما هو إنساني، والآخر لرجل خسر نفسه حين قدّم الفكرة على الرحمة، وكأن الكاتب يعيد طرح السؤال الذي لم يتوقف الفرنسيون عن طرحه منذ سقوط ماري أنطوانيت: هل يمكن للثورة أن تُنتج عالماً جديداً دون أن تلتهم أبناءها أو تتلوث بدماء الشعب الذي يجب أن يكون وحدةً واحدة؟