هل تعلم أن الهامانية أهم وأصعب مهنة وطنية؟ فهامان لم يكن مجرد رئيس بنَّائين، بل كان العقل المُدبِّر.. واللسان المُعبِّر.. والسلطان المسيطر على الأذهان.. والطاقة المحركة للوجدان.. هو الشريك الوحيد لفرعون في الحكم من الشعب، ونجح في تشكيل وعي الشعب.
هامان يفوق الكهنة والسحرة
وإذا قارنَّا بين مراكز السلطات والقوى في مصر القديمة، فسنجد أن دور هامان يفوق الكهنة والسحرة بمراحل، فهو يقوم بأدوارهم مجتمعة، كما أنه الملازم والمُوجِّه للحاكم على عكس الكهنة والسحرة الذين هم أداة يحركها فرعون كيفما يشاء.
وإن كان للسحر مفعول خارق على الشعب، فسحر منطق هامان أشدّ، وإن كان للكهنة سلطة روحية، فمع هامان السلطات الروحية والعقلية والوجدانية، والأهم أن له ذكاءه الذي ينعش (لا يستفزُّ) الذات الإلهية لفرعون.
وهامان يبذل مجهودات ضخمة.. يتنقل برشاقة (أنضجَها علمُه وحنكته) في حقل مزروع بالألغام من كل اتجاه لبرمجة الشعب، بينما الكاهن في معبده يأتيه الناس مبرمجين لتقبُّل أي كلام يتفوَّه به؛ لأنه يتكلم بلسان الإله أو الآلهة.
الهامانية من أشرف المهن، ومن يحمل هذا اللقب يحمل عبء توصيل وتوضيح سياسات الدولة أو الحاكم بشكل مقنع عقليًّا مرغوب نفسيًّا محبوب وجدانيًّا؛ ليصل إلى رضا المواطنين؛ ومن ثم استقرار الدولة.
موظفون تسلقوا حائط المحسوبية بدعوى أنهم أهل الثقة
وإن كان الموروث الديني رسَّخ في أذهاننا أن الهامانية وصمة عار في جبين صاحبها؛ فهذا لأن النموذج الذي قدَّمه القرآن في قصة نبي الله موسى تَناوَلَ فترة من الزمن شهدت ظلمًا وطغيانًا. ولكن لو تحررنا من تلك اللقطة الضيقة، وانطلقنا إلى المشهد الأوسع والأشمل والأكمل، لوجدناها مهنة شريفة بحق، فليس كل الحكام فرعون موسى، ولا كل حاكم عدوًّا أو سالبًا لأموال الشعب وحرياته كما يهرتل أدعياء الوطنية ولقطاء الثورجية، ومن هنا ندرك نحن (لا هم) أن العار كل العار أن يتصدَّى ويتصدَّر المشهد من لا يجيدون فن إدارة الحوار.. موظفون تسلقوا حائط المحسوبية، وأقحموا أنفسهم بوصفهم أهل الثقة، وبما أن إذن فمنطقي جدًّا أن تصدُرَ منهم تبريرات لا أسباب مقنعة، تنبت حنظلاً يؤزِّم الأمور بين الحاكم والشعب، حتى لو كانت الأزمة متخفية.
الفرق بين هامان وخولي الأنفار
ذلك الموظف اللا هاماني المتسلق المقتحم لا يتعدَّى كونه خولي أنفار، كل جهده إحناء ظهر الشعب؛ ظنًّا منه أنها مَعلَمة، فهو يعبد أرباب مصالحه رَغَبًا ورَهَبًا، ولا يدري أن الحاكم بصنيعه هذا يبصقه؛ لأنه في نظره من الجواري.
مسكين.. ليس بوسعه أن يستوعب أن الهامانية علم وفن وإدارة وخبرة، وأن هامان لم يكن "دلدول" يعتمد على الحفظ لا الفهم، ولا مجرد مَنصَّة بشرية لتعليمات فرعون، بل كان شريكه في الأفكار والردود.. كان مُعِينًا له لا عِبْئًا عليه.. كان حكيمًا مُتنوِّرًا لا أهوجَ متهورًا.. يردُّ الحجة بالحجة، فلم يخرج من فمه كلام ساذج، يكون مادة للسخرية على السوشيال.
غلطة فرعون الخروج على نهج هامان
وظل هامان طوال حكم فرعون مسيطرًا على العقول والوجدان، حتى كان الوقوع الحتميُّ أمام نبي أرسله الله إليهما، حيث تعجز الحجة أمام الوحي؛ لذا ترك فرعون الحجة، ولجأ إلى حيلة الحاكم العاجز (على جبروته)، الاستخفاف بالعقول، متسلحًا بالبطش بعدما عجز اللسان. وهنا لقطة خطيرة، فعندما ترك فرعون مشورة هامان، وتَصرَّفَ وحده بالاستخفاف بعقول الشعب لم يُؤدِّ هذا الاستخفاف إلى إقناع أو تصديق، وإنما إلى طاعة عمياء جبرية قهرية؛ خوفًا من بطشه الغاشم؛ لذا قال الله تعالى "فاستخفَّ قومَه فأطاعوه"، ولم يقل "فصدَّقوه".
ولأن الهامانية هي لسان الحاكم الذي ينطق بالحكمة، ويشرح المنهج الذي وضعه، عليه أولاً أن يذاكر ذلك المنهج جيدًا، ويستوعبه تمامًا؛ ليبتكر أساليب لإقناع العقل، وفنونًا لاكتساب العاطفة.
المنطق والوجدان جناحا إدارة الشعوب
فالإقناع وحده أدى إلى هزيمة ترامب، الذي أدخل لأمريكا أموالاً لم تشهدها في تاريخها، فلم تقنع الأمريكان، أمام بايدن، وهو نفسه لم يُدخِل هاريس البيت الأبيض في الانتخابات الأخيرة بعد مناظرتها لترامب.
كما أن العاطفة وحدها تعمي البصر عن تدارك الأخطاء، وتسوق الألسنة لأن تهتف "فداك ألف هزيمة يا ريس".
وحتى لا يُلقَى الكلام على عواهنه، أمامنا مثال حي للهامانية المخضرمة.. الدكتور كمال الشاذلي.. فعندما أثار أدعياء النضال والتنوير والحريات الخاصة زوبعتهم المستهلكة المتهالكة حول الحجاب (وهو حرية خاصة!)، امتشق عنترة البرلمان سيفه، وصال وجال وقال: أنا مراتي وبنتي منقبات.
هذه الجملة حيَّد بها الشاذلي أنصار الحجاب من الكتلة الإخوانية، فجمَّد دفاعاتهم، وأبرأ الدولة من تهمة معاداة الإسلام، ولكن ما الذي حدث بعدها؟ تم حظر الإيشارب على الطالبات، وتَحوَّلَت البوصلة إلى وزير التعليم: هذا قراره، وهو المسئول عنه، والدولة لا تتدخل في اختصاصات الوزراء! أما عن التشريع فمُمثِّل الدولة بذات نفسه قال رأيه، ولكن أعضاء المجلس الموقر لم يتفقوا على فرضيته وإلغاء قرار وزير!
السمع والطاعة لا يعني أنك وطني مخلص
اليوم الهامانية في خطر شديد؛ حيث إن الاعتماد على السمع والطاعة لا يعني أنك وطني مخلص، بل يجعل الحاكم لا يقيم لك أي وزن، ويجعل الشعب لا يقتنع بك عقليًّا، ولا يحترمك نفسيًّا؛ لأنك فقدت المهنية في أخطر وأشرف وظيفة لا تستحقها.
فقدت المصداقية حتى يقتنع الناس بك، فهامان لا يتراقص بوجهه على الشاشة كالقرد، ولا يحرق دم المواطنين بالحديث عن الفقر وربط البطن بحجر وكرشه مُتخَم بالملايين التي يقبضها لتوصيل هذا الكلام، بل يجب أن يُظهِر للشعب أنه يريد مصلحتهم، ويشعر بهم؛ حتى يكونوا مؤهلين نفسيًّا لقبول كلامه، كما لا يكون راقصًا على الحبال، ولا متلونًا كالحرباية؛ حتى يقتنعوا به عقليًّا، وإلا ستؤدي هذه التصرفات إلى نتيجة عكسية.
خلاصة الكلام يجب أن يتَّسم هامان بالحميمية والهيبة والكاريزما؛ فهو ليس أغا أو باشا يحزق من أجل إرغام الشعب على قبول سياسات الدولة، وإنما هو صائغ الوعي الوطني.. وهي جملة لن يفهمها خولي الأنفار مهما أغدقوا عليه من أموال ونفوذ وأضواء.